الامام الخميني: مصالحة بين العالم المعاصر والدين والقيم الانسانية

بيروت/ 3 حزيران/ يونيو/ إرنا – لا شك أن شخصية الإمام الخميني (رض) هي من أهم الشخصيات التي عرفها العصر الحديث سواء لناحية الخصائص والميزات التي تتصف بها هذه الشخصية الفذة أو لناحية التأثير والتغيير الذي أحدثته علي المستوي العالمي ثقافيًا وسياسيًا واجتماعيًا.

صورة الدين بشكل عام والإسلام بشكل خاص واحدة من العناوين التي ساهم الإمام في تشكيلها وتغييرها وتطويرها.. قبله كانت النظرة السائدة حول الدين أنه أفيون الشعوب. وانه المسؤول عن التخلف الذي لحق بكثير من شعوب العالم. إلا أن الصورة تغيرت منذ اليوم الذي عرف فيه العالم شخصية ومنطق وخطاب ولغة الإمام الخميني (قدس سره).

تحول الدين الذي حمله الإمام وقدمه للعالم إلي قوة تغيير ايجابي.. إلي طاقة محركة للشعوب ودافعة نحو الأفضل.. فتح الإمام وبفضل الخطاب الديني الذي انتهجه وآمن به، الآفاق الواسعة أمام الشعوب المستضعفة ليكون لها صوتها في العالم المستكبر وليكون لها دورها الفاعل لا بل ليكون لها مشروعها الخاص المستقل المؤسس لمستقبلها ومستقبل الأجيال القادمة.

'تجربة الإمام الخميني (رض) كانت تجربة مختلفة وجديدة'، هذا ما يؤكده أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة اللبنانية د. طلال عتريسي. ويلفت إلي أن هذه التجربة كانت رائدة وسبّاقة. فقبلها 'لم يكن هناك أي نموذج معاصر للإسلام في الحكم'. ما كان موجودًا ومعروفًا في العالم كان نماذج قديمة وتاريخية دون أن يوضح المعنيون بها كيف سيتم التفاعل مع المستجدات وأشكال الحكم المعاصرة.

ما فعله الإمام هو 'مصالحة بين الدين من خلال مؤسسة ولاية الفقيه وبين المؤسسات المعاصرة الحديثة التي يعيش في إطارها الناس'. يفصّل عتريسي هذه النقطة فيشير إلي المؤسسات الحديثة التي كرسها الإمام (رض) مثل رئاسة الجمهورية ومجلس الشوري ومؤسسة صيانة الدستور ما أمّن الربط بين حاكمية الدين والمؤسسات الحديثة.

'لم يرجع الإمام إلي الماضي وعصوره القديمة'، بحسب عتريسي بل 'حمل الدين إلي الحاضر المعاصر'. وهنا يكمن الاختلاف الجذري بين الإسلام المحمدي الأصيل من جهة والإسلام الأميركي والتكفيري من جهة أخري.

لقد دفع الإمام الناس للالتفات إلي الدين من زاوية مختلفة. فبعد أن كان الإسلام في المكتبات ويعلوه الغبار أصبح الإسلام 'قادرًا علي انجاز ثورة تغييرية وتأسيس دولة لا شرقية ولا غربية الأساس فيها هو الاستقلال السياسي والاقتصادي والعلمي أيضًا'.

هذا ما جعل الجمهورية الإسلامية الإيرانية نموذجًا في العالم الإسلامي.. يجمع بين الدين بقيمه ومبادئه والدولة بمؤسساتها الإدارية والتنظيمية لحياة الناس.

مدير قسم الدراسات التاريخية في «جامعة المصطفي (ص) العالمية» في بيروت الشيخ كاظم ياسين يوافق علي هذه المقاربة إلا انه وخلال تحليله لهذه الأفكار يعتبر أن ما أنجزه الإمام الخميني (رض) ليس مجرد مصالحة بين الدين والعصر. لقد قدم الإمام حلاً لما يعتبره ياسين 'إحدي أكبر المعضلات في تاريخ الإنسانية، وهي معضلة التناقضات الثانوية التي كانت تمزق المستضعفين في العالم'.

من وجهة نظر ياسين 'لقد نقل الإمام الصراع من ساحة المستضعفين فيما بينهم إلي نقطة المركز أي الشيطان الأكبر والمستكبرين ومصاصي دماء الشعوب'. لم تعد التناقضات الثانوية بين الشعوب هي المشكلة. أدرك المستضعفون في الأرض بفضل فكر الإمام وحركته أن 'الحل الأساس هو وقف استغلال الإنسان لأخيه الإنسان كمفتاح لروح الدين الذي يحمل روح العدل'.

يعبّر الشيخ ياسين عن هذه الفكرة بالقول 'إن ما جري هو إعادة الإنسانية إلي أصل فطرة التوحيد'. وبهذا تحولت شعوب العالم إلي أمة واحدة في مواجهة الامبريالية العالمية.

يشير ياسين إلي أن الإمام الخميني (رض) لم يطرح فكره بأسلوب مباشر. 'لم يقل للناس أنا أقدم لكم الدين الإسلامي أو الفقه أو حالة خاصة إنما طرح روح الدين بما فيها من قيم تجتمع حولها الإنسانية'.

ويتوقف ياسين في هذا السياق عند الرسالة التي وجهها الإمام الخميني لميخائيل غورباتشوف آخر رؤساء الاتحاد السوفياتي. ويعتبر أن الدعوة التي تضمنتها تلك الرسالة تأتي لتعزيز معسكر المستضعفين والعدل الإلهي في مواجهة معسكر الاستكبار العالمي. ويشبه ياسين هذه الدعوة برسائل الرسول الأكرم (ص) إلي ملوك الأرض ليدعوهم إلي الإسلام الذي يحقق العدل والقسط علي الأرض.

انتهي *(1)*388*381* 2342