لهذه الأسباب الموضوعية، سقطت السعودية من عين الشعوب العربية.. وارتقت إيران

طهران/ 13 حزيران/ يونيو -إن المقارنة تُعتبر من الأساليب المُعتمدة في القراءات الموضوعية، لإعتمادها علي الحقائق في توصيف الوقائع. ولأن الإعلام المعادي لمحور المقاومة يَعمل جاهداً علي تشويه سمعة المحور، وبالتحديد إيران، من خلال كيل التُّهم بالحديث عن المد الشيعي تارةً وصولاً الي الحديث عن الإمبراطورية الفارسية تارةً أخري، كان لا بد من توضيح الحقائق وراء تزايد النفوذ الإيراني وتراجع الدور السعودي. علي الرغم من أن أغلب المحللين الموالين لسياسة إيران كما المعارضين لها، يتفقون علي أنه لا يمكن القياس بين دولةٍ كإيران متعاظمة الدور إقليمياً ودولياً، وبين السعودية التي تُعتبر لاعبةً ضمن المساحة الأمريكية المُحددة لها. ومن هنا فما هي الحقائق التي يجب الوقوف عندها؟

أولاً: إيران نموذج القوة المُستَمدَة من الشعوب:

يطول الحديث عن إنجازات إيران، لكن وضوح سياسة طهران وقيامها علي المبادئ الثابتة التي تضع أولوية مصلحة الشعوب، يجعل الحديث عنها ذات مغزي وإن كان مختصراً. فالكلام عن إنجازات طهران يحتاج للعديد من المقالات، لكن لا بد من توضيح بعض المسائل الأساسية:

- كانت إيران منذ انتصار الثورة الإسلامية فيها، المُحرِّك المُلهِم للمستضعفين في العالم العربي بل في كافة أنحاء العالم. وهو الأمر الذي جعلها وبسبب مبدئها الإستراتيجي مساعدة المستضعفين، واضحة السياسة الإستراتيجية، والهدف والأسلوب.

- لذلك دعمت إيران المقاومات وعلي أساس ذلك بنت تحالفاتها. فمنذ قيامها كجمهوريةٍ إسلامية، كانت واضحة العداء لأمريكا والكيان الإسرائيلي، وهو الأمر الذي ما يزال حتي اليوم. وبالتالي سارت إيران ضمن خطٍ واضح المعالم، جعلها تُحترم من الشعوب كافة، لا سيما العربية التي أدركت ومنذ ثمانينات القرن الماضي، أن الهم العربي المُتعلق بالقدس والقضية الفلسطينية، كان وما يزال قضية إيران المصيرية.

- ومن خلال أسلوبها وسياساتها، كانت إيران وما زالت تدعم حلفاءها وتقف الي جانبهم، ضمن سياسة الدعم الإستشاري للدول، والمالي للمقاومات المستضعفة. وهو ما بيّنته أحداث سوريا والعراق واليمن مؤخراً، الي جانب دعم المقاومات العربية في لبنان وفلسطين تاريخياً. مع الإلتفات الي أن هذه الأمور بأسرها تُعتبر هموماً عربيةً مشتركة.

ولأن إنجازات إيران وسياساتها واضحة المعالم، نكتفي بهذا القدر، لنذهب للحديث عن الدور السعودي.

ثانياً: السعودية: نموذج التناقض في الأهداف والأسلوب:

من ناحية أخري، يمكن وصف السياسة الخارجية للسعودية عموماً، علي أنها متناقضة الأهداف والسياسات في أغلب الأحيان، تقوم علي المصلحة كأولوية، وتبتعد في أسلوبها عن تحقيق مطالب الشعوب العربية والأخذ بعين الإعتبار القضايا المشتركة. وبعد فترة من الزمن، كانت السعودية فيها تنعم بمرجعيةٍ وهمية، تبيَّن أنها كانت دائماً تسعي لجعل مكانتها الدينية بوابتها، ونقطة قوتها. لكن هذا الأمر أسقطته الرياض بنفسها بعد حربها علي اليمن مؤخراً. وهنا قراءة موضوعية، في أسباب السقوط السعودي:

- إن تناقضات السياسة السعودية هي التي جعلتها تقع في امتحان البدائل والتي طالما كانت تضع مصلحتها أولويةً في الإختيار بينها، وهو الأمر الذي رسّخ لواقعٍ في السياسة الخارجية السعودية، مُفعمٍ بالتناقض الواضح. إذ أن هناك مفارقات تتعلق بكيفية إدارة السعودية للملفات الخارجية. فعلي سبيل المثال لا الحصر، قامت السعودية بوضع جماعة الإخوان المسلمين علي لائحة الإرهاب مع العلم أنها هي التي احتضنتهم زمن لجوئهم وفرارهم من القيادات العسكرية التي لاحقتهم في بعض الأنظمة العربية. لكنها السعودية نفسها، موَّلت وزير الدفاع في عهد الرئيس المصري السابق مرسي، من أجل الإطاحة به واستبدال حكم الإسلاميين بآخر عسكري.

- من خلال مراجعة التاريخ السياسي المعاصر وبالتحديد سياسة الرياض تجاه المقاومات العربية، نجد أن السعودية ضيَّقت الخناق علي المقاومات الفلسطينية لا سيما حركة حماس عدة مرات، حتي توجهت الأخيرة الي دمشق، لتكون ملجأ قياداتها لفترة طويلة. لذلك فإن السياسة السعودية تجاه هذه المقاومات كانت تنبع من منطلق القدرة علي تحجيمها، لتكون أداةً في يد السياسة السعودية، ولم تكن الأولوية دعمها لمجرد أنها مقاومة.

- لم تستطع السعودية ومنذ بداية الصراع العربي الإسرائيلي، تأسيس إنطباعٍ واضحٍ تجاه القضية الفلسطينية، وبالتحديد تجاه العداء العربي مع الكيان الإسرائيلي. بل إن الرياض قامت وفي ظل كل الحروب التي حصلت بين الدول أو المقاومات العربية، وجيش الكيان الإسرائيلي، بالوقوف علي الحياد أحياناً، والتهجُّم علي الحركات المقاومة أحياناً أخري. وهو الأمر الذي ظهر جلياً في عدوان تموز ٢٠٠٦ علي لبنان، وبعدها حروب غزة بأكملها.

- بالحديث عن الأزمة السورية فإن قيام السعودية بتقديم الدعم المالي واللوجستي الواضح لتنظيم داعش الإرهابي، أظهر حجم التناقض في التعاطي مع القضايا العربية. فعلي الرغم من أن السعودية تقدم نفسها دوماً كمرجعيةٍ لدول المنطقة، جري التساؤل عن مغزي سياساتها التي انتهجتها تجاه النظام في دولةٍ عربية شقيقة. ليتبيَّن فيما بعد أنها عملت علي زيادة الرهان، علي الإرهاب، لضرب محور المقاومة، لكنها وبالنتيجة، فكما كانت رهاناتها كبيرة، جاءت خسارتها لتكون أكبر، بعد فشل رهاناتها.

- لم يعد خفياً اليوم قيام الموساد والمؤسسة الأمنية في تل أبيب، بالتغني بعلاقتهم الحميمة مع جهاز الإستخبارات السعودي، وهو الأمر الذي وإن أصبح جلياً ويعرفه الجميع، يشير الي الكثير من الدلالات المهمة. فالعلاقة التي أُعلنت اليوم لم تكن ظرفية المنشأ، بل يُبيِّن تحليلها أنها تاريخية. ولعل أكبر دليلٍ علي حميمية العلاقة بين الطرفين، هو تغني الكيان الإسرائيلي بالعدوان السعودي علي اليمن، وكأن الرياض حققت لـ 'تل أبيب' مُناها، الي جانب إعلان الحكومة الإسرائيلية بعد وفاة الملك السعودي مؤخراً، حزنها لفقد حليفٍ إستراتيجي. وهذا ما شاهده الجميع في الإعلام الإسرائيلي.

- وصولاً الي الحرب علي اليمن، أسقطت السعودية في عدوانها المبادئ الإنسانية قبل الدينية والقومية، وهو الأمر الذي لاقي ردود فعلٍ كبيرة في العالم العربي والمؤسسات الدولية. مما جعل السعودية تخسر كل شيءٍ أمام شعبها وشعوب المنطقة.

ثالثاً: النتيجة

يخلص المقال لنتيجةٍ مفادها أن السعودية وبسياساتها كانت السبب في سقوطها من عين الشعوب العربية، لإعتمادها سياسة عزل الرأي الآخر لتثبيت المرجعية، ودعم الإرهاب لإسقاط الأنظمة. فأدخلت نفسها في السياسات التي تعتمد المصلحة القائمة علي الرهانات، والبعيدة عن قضايا الشعوب. بينما نجحت إيران في عكس ذلك، لأنها كانت واضحة الأهداف والأساليب، عملت علي بسط نفوذها من خلال رعايتها المصالح العربية من مُنطلق أيديولوجيتها الدينية والسياسية القائمة علي إحتضان الآخر واحترامه بعد الإيمان به.

*الوقت- محمد علي جعفر

انتهي