الانتخابات التركية زلزال بقوة 60 درجة علي مقياس الشعب التركي

بيروت/ 16 حزيران/ يونيو/ إرنا – وصف الباحث والخبير في الشؤون التركية الدكتور محمد نور الدين هزيمة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في الانتخابات الأخيرة بأنها «زلزال بقوة 60 درجة علي مقياس الشعب التركي»، لافتًا إلي تراجع شعبية حزب «العدالة والتنمية» من 21.5 مليون صوت في انتخابات العام 2011 نسبتهم 49.8 في المئة، إلي 19 مليونًا في انتخابات 2015 بنسبة 41 في المئة.

وخلال حديث لوكالة الجمهورية الإسلامية للأنباء «إرنا» أوضح مدير «مركز الدراسات الاستراتيجية» في بيروت، أن نتائج الانتخابات هذه تعني أن 60 بالمئة صوتوا للاحزاب الثلاثة المعارضة لأردوغان، وهو نال ما بين 40 الي 41 بالمئة، ما يعني أنه تراجع 9 نقاط علي صعيد تركيا وهذا يعتبر بالنسبة للحزب مضاعفا اي 18 نقطة. لافتًا إلي أن عدد الناخبين في تركيا ارتفع من 50 مليونًا في العام 2011 إلي 54 مليونًا في العام الحالي ومع ذلك تراجع عدد ناخبي حزب «العدالة والتنمية» 2,5 مليون، وبالتالي تراجع عدد نوابه من 327 نائبا إلي 258 نائبا، وفي حين كان متفردًا بالحكومة بات بحاجة إلي 18 نائبًا لتشكيل الحكومة الجديدة'، وعليه قال نور الدين: 'إذًا هزيمة من كل الزوايا لحزب العدالة والتنمية»'.

وراي ان نتيجة الانتخابات انهت الحياة السياسية لرجب طيب اردوغان الذي تعرض لعدة انتكاسات، بدءًا من أحداث «ميدان تقسيم» في حزيران 2013 والتي أسفرت عن إصابة المئات من المتظاهرين، تلتها فضيحة الفساد والرشوة التي تورط فيها أربعة وزراء في حكومة اردوغان، ثم جاءت نتيجة الانتخابات الجديدة.

ولفت أستاذ التاريخ واللغة التركية في الجامعة اللبنانية إلي عامل جديد مفاجئ برز في الانتخابات التركية من خلال ترشح «حزب الشعوب الديمقراطي» كحزب كردي فنال 13 في المئة وحصل بذلك علي 80 مقعدًا بعدما كان أعضاؤه يترشحون كمستقلين ويصل منهم ما بين 20 إلي 30 نائبًا.

ورأي أن «الشعوب الديمقراطي» استفاد من عدة عوامل،منها: دخوله إلي البرلمان كحزب لا كمستقلين، سياسة أردوغان العنصرية تجاه الاكراد، دعم أردوغان لتنظيم «داعش» التكفيري في الهجوم علي مدينة عين العرب (كوباني) في شمال سوريا، وإعلان أردوغان أن المدينة ستسقط غدًا، وإعلانه أنه ليس هناك قضية كردية، وكان يتهم الأكراد بأنهم ملحدون. مشيرًا إلي أن هذا الجو جعل الوسط الكردي يتساءل إلي أين نحن ذاهبون الي من يذبحنا في عين العرب؟.

وأشار نور الدين إلي أن من بين الأسباب التي أدت إلي خسارة أردوغان للصوت الكردي 'طمعه وانانيته واستعلاءه ومكابرته وعجرفته، واعتباره أنه هو الحزب والدولة ولا احد غيره وأنه رئيس مطلق الصلاحيات (في بلد متعدد فيه العلوي والكردي والاتجاهات السياسية المختلفة) وامتلاكه قصرًا يحوي 1200 غرفة تبلغ قيمته 750 مليون دولار.

وأضاف نور الدين إلي أسباب هزيمة أردوغان وحزبه، التراجع الاقتصادي الذي كان له تأثير بنسبة 5 إلي 10 بالمئة. وفشل سياسته الخارجية في سوريا والعراق ومصر والخليج الفارسي وليبيا، مؤكدًا أن مشروع أردوغان 'فشل في كل الأماكن'.

وتوقع نور الدين أن تنعكس نتيجة الانتخابات علي حزب «العدالة والتنمية» مشيرًا إلي احتمال أن يتعرض الحزب لانشقاق داخلي خصوصًا بعد الحديث أن «غول» قد يؤسس حزبًا بمفرده. ما عني 'أن أردوغان هو الخاسر الأكبر من هذه الانتخابات'، لافتًا إلي أن هناك خاسرًا آخر هو أحمد داوود أوغلو وخاسر ثالث هو حزب «العدالة والتنمية». مشيرًا إلي أن أوغلو كان أعلن أنه إذا لم يحتفظ منفرداً بتشكيل الحكومة فسوف يستقيل.

وقال: إن 'تجديد وترميم الحزب سيأخذ وقتًا طويلاً، وقد لن نفاجأ إذا كان مصيره كمصير حزب «الوطن الأم»، الذي تخلي عنه رئيسه تورغوت أوزال سنة 1989ليصبح رئيسًا للجمهورية، لكن بعد سنتين خسر حزبه بالانتخابات ولم عد هناك ما يسمي بـ«حزب الأم»، معتبرًا أن المسار نفسه

يسلكه أردوغان الآن.

وردًا عن سؤال أوضح نور الدين أن كل حزب من الأحزاب الأربعة التي دخلت البرلمان تمثّل حساسية معيّنة داخل تركيا غير موجودة في الحزب الآخر، ورأي أن في تركيا الآن أربعة اتجاهات رئيسية، الأول: حساسية إسلامية متمثلة بحزب «العدالة والتنمية» وينافسه فيها «حزب السعادة» خط نجم الدين أربكان، ولو بنسبة 1 في المئة (وهي نسبة ليست صغيرة في نتائج الانتخابات، ولو حصل عليها «العدالة والتنمية» لأصبح يمتلك الأكثرية).

ثانيًا: الحساسية القومية الكردية التي يمثلها حزب «الشعوب الديمقراطي» التي أضيف إليها حساسية يسارية متمثلة ببعض القوي اليسارية التي صوتت للحزب الكردي.

ثالثًا: الحساسية العلمانية المتمثّلة بحزب «الشعب الجمهوري»، وتضم في صفوفها حساسية مذهبية علوية من خلال الأصوات التي حصل عليها الحزب من الأكراد العلويين الذين صوتوا للحزب لكونه حزبًا كرديًا معارضًا لأردوغان الذي يهاجم الهوية الكردية.

رابعا: الحساسية القومية التركية المنفتحة علي الدين والإسلام ولكن ليس لها بُعد إسلامي معلن واضح، متمثلةً بحزب «الحركة القومية» الذي يتزعمه 'دولت باخجلي'، والذي شهد صعودًا في الانتخابات من 55 إلي 80 نائبًا.

ولفت نور الدين إلي أن العلويين الأتراك لا يقل عددهم عن 17 مليون نسمة، إلا أنهم لا يشكلون كتلة ناخبة مثل الأكراد فهم موزعون، موضحًا أن

الغالبية العلوية تاريخياً كانت تعطي صوتها لحزب «الشعب الجمهوري»، معربًا عن اعتقاده بأن العلويين الأكراد أعطوا أصواتهم في الانتخابات الأخيرة لحزب «الشعوب الديمقراطي» الكردي، ما يعني أن الحساسية العلوية تتقدم دائماً أي أن هناك خط أحمر وهو عدم التصويت لأردوغان في المقام الأول، معتبرًا أن هؤلاء قدّموا هوياتهم القومية علي المذهبية وصوّتوا لحزب «الشعوب الديمقراطي».

وعن تاثير النتائج علي وضع الجيش قال نور الدين إن 'أردوغان نجح في تقليم أظافر الجيش وبوضع وصايته عليه، لكن في الفترة الأخيرة برز تمايز بين موقف الجيش وموقف أردوغان من الأزمة في سوريا، حيث كان أردوغان يدفع لمزيد من توريط تركيا بالأزمة السورية، لكن بعد خسارة حزب «العدالة والتنمية» وعدم قدرته علي التفرّد بالسلطة ستعطي حرية أكبر للجيش لاستعادة بعض النفوذ في الحياة السياسية وبالتالي العودة إلي أدوار كان يقوم بها في السابق'، مشيرًا إلي أن نتائج الانتخابات تُفيد المؤسسة العسكرية في الخروج من وصاية أردوغان.

وعن الحديث عن حكومة أقلية أو حكومة إئتلافية، راي نور الدين انه لم يعد ممكن لأي حزب أن يشكّل حكومة بمفرده وينال الأكثرية، مؤكدًا أنه لن يكون هناك حكومة حزب واحد، مشيرًا إلي أن القوي الفائزة في الانتخابات مضطرة للائتلاف، موضحًا أن قوي المعارضة الثلاث بإمكانها تشكيل حكومة ائتلافية مجتمعه، فمجموع مقاعدها يتجاوز مقاعد حزب «العدالة والتنمية»، لكنه استبعد اتفاقًا كهذا في ظل الصراع القومي بين الأكراد والأتراك مؤكدًا أن 'هذا أمر صعب'.

وحول الحديث عن قرار إقليمي ودولي بإنشاء دولة كردية يتم إخراجها بهذا الإئتلاف، لفت نور الدين إلي أن 'حزب «العدالة والتنمية» ليس في هذا الوارد أبداً. هو يتلاعب بالمسألة الكردية يدّعي ويقول أنه سيعطيهم لكنه لا يفعل أي أنه ينافق الأكراد أكثر من أي حزب آخر. وحزب «الحركة القومية» يقول علنًا: لا أريد أكراد ولا أريد دولة كردية، وأردوغان لديه الموقف نفسه لكن بطريقة أخري يتلاعب بهم لكسب الوقت وما إلي هنالك.

وراي نور الدين ان الحزب الوحيد الذي يمكن ان يدخل في ائتلاف مع حزب «العدالة والتنمية» لتاليف الحكومة هو حزب «الحركة القومية». لان منطلقاته قريبة أي «قومية علي إسلامية» أما أردوغان فهو «إسلامي علي قومي».

وتوقع نور الدين تشكيل حكومة مؤقتة مرحلية، قد تكون حكومة أقلية من «العدالة والتنمية» وأحد أطراف أو طرفين من المعارضة وتأخذ البلاد إلي انتخابات نيابية مبكرة خلال 90 يومًا.

وردًا عن سؤال توقع نور الدين أن تشهد السياسة الخارجية لتركيا تراجعًا في ظل 'حكومة ضعيفة نزع الشعب منها الثقة ليس فقط في الملفات الداخلية كذلك في الملفات الخارجية'، مؤكدًا حزب «العدالة والتنمية» لم يعد قادراً علي الإمساك بالحكومة بمفرده وبالتالي فإن الاستمرار بهذه السياسات بات مستحيلاً.

وقال: 'لا بد من تغير هذه السياسات، إن كان مع سوريا أو في مصرأو في دول الخليج (الفارسي) أو في أي مكان آخر، إذًا نحن أمام تحوّل جذري، حقيقة إنه زلزال ولا أحد يقلل من قيمته قد لا تظهر نتائجه خلال شهرين أو ثلاث ولكن الواقعة وقعت ونحن أمام تركيا مختلفة كلياً وأمام حزب «عدالة وتنمية» سيتشكل من جديد بشكل مختلف عن ما كان عليه سابقاً'.

وذكّر نور الدين بالخطاب الذي ألقاها أردوغان في عام 2011 بعد فوزه بنسبة 50% حيث قال: إن «هذا انتصار لاسطنبول والبوسنة والهرسك وبيروت وأنقرة والشام وجنين والضفة الغربية والقدس وغزة»، وقال نور الدين: 'أحب أن أقول بدوري اليوم أن هزيمة أردوغان المدوية مع داوود أوغلو وحزبه هي انتصار حقيقي لكل الشعوب التي أراق أردوغان دمها في الشرق الأوسط ولكل الأمهات التي أبكاها والأطفال الذين يتمهم.. هو انتصار لكل الشعوب التي خدعها أردوغان وفي مقدمها الشعب الفلسطيني وانتصار لكل العواصم من بيروت لحلب ودمشق وبغداد والقاهرة وتونس وقبلها اسطنبول وأنقرة وديار بكر وعين عرب.. انتصار للقدس التي فضّل أردوغان أن يصلي في المسجد الأموي في دمشق علي أن يصلي في المسجد الأقصي وانتصار لغزة نفسها التي تري بأم العين بواخر أردوغان التي تنقل النفط المسروق من سوريا والعراق وتفرغه في ميناء عسقلان.. أقول شكراً لكل من ساهم في إسقاط المنظومة الأردوغانية بكل رموزها... نحن جزء من مشروع مقاومة في المنطقة ومقاومة مشروع أردوغان العثماني في المنطقة هو جزء من انتصار للمقاومة في المنطقة'.

انتهي *(3)*383*381*1369