تسريب فيديو تعذيب سجناء رومية وعودة التكفيريين إلي الشوارع في لبنان

بيروت/ 22 حزيران/ يونيو/ إرنا – بعد أقل من يومين علي فضائح الدبلوماسية السعودية مع قيادات لبنانية من فريق «14 آذار» التي سربها موقع «ويكيليكس» انتشر فجأة عبر مواقع التواصل الاجتماعي والـ«واتس آب» مقطع فيدو يظهر مجموعة من قوي الأمن الداخلي تقوم بتعذيب سجناء في سجن رومية المركزي ينتمون للجماعات الإرهابية التكفيرية التي نفذت قبل نحو شهرين أعمال شغب في هذا السجن.

مقاطع الفيديو انتشرت أمس الأحد كالنار في الهشيم، ولاقت ردود فعل شاجبة ومستنكرة، من العديد من القيادات اللبنانية، لا سيما المنتمية إلي مدينة طرابلس، التي ينتمي إليها معظم السجناء المتهمين بالانتماء للجماعات التكفيرية وبارتكاب جرائم إرهابية مختلفة. تزامنت مع أعمال فوضي وشغب وتظاهرات نفذتها مجموعات من التيارات التكفيرية في شوارع مدينة طرابلس ومنطقة عكار في شمال لبنان، شارك فيها مئات المتظاهرين الذين حملوا رايات وأعلام تنظيمي «داعش» و«جبهة النصرة» الإرهابيين.

أعمال الفوضي والشغب توسعت ليلاً وامتدت إلي العديد من مناطق الشمال والبقاع وصولاً إلي بعض مناطق العاصمة بيروت، فيما أقدم مسلحون علي إلقاء قنابل يدوية وإطلاق نار في أحياء مدينة طرابلس كبري مدن شمال لبنان.

صحيفة «السفير» طرحت في عددها الصادر اليوم الاثنين سلسلة تساؤلات عن الجهة التي قامت بتصوير الفيلم داخل السجن ومن ثم قامت بتسريبه إلي خارج السجن، بعد شهرين من أعمال الشغب التي وقعت داخل السجن، وعن الغاية من نشره، وهل هناك قيادات سياسية وأمنية تقف وراء من صوره ونشره؟ وهل كان المقصود اختيار شهر رمضان المبارك، لما له من رمزية معينة عند جميع المسلمين، وهل قدّر مروجو الشريط، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ردود الفعل الغاضبة، شعبيا ودينيا وسياسيا، والي أي مدي يمكن أن تصل هذه الردود التي لم تستثن منطقة لبنانية، بما في ذلك العاصمة، وتحديدا منطقة الطريق الجديدة، معقل «تيار المستقبل» تاريخيا؟.

وسألت «السفير» أيضًا: 'هل يخفي علي أحد أن تسريب الصور في لحظة شديدة الحساسية، مذهبيا وسياسيا، يمكن أن يتسبب بحريق في الشارع المنفعل والسريع الاشتعال، ما يرتب علي جميع المعنيين بهذه القضية السعي إلي محاصرة تداعياتها، وليس رفدها بوقود إضافي؟'.

أضافت: 'هل هناك من يخوض عملية تصفية حساب، بالمعني السياسي والشخصي، مع وزير الداخلية نهاد المشنوق، من داخل بيته السياسي أولا، أي «تيار المستقبل»، أو من البيئة الأوسع التي ينتمي إليها ثانيا، لأنه أقدم علي خطوات يصح القول عن بعضها إنها «جذرية» بكل معني الكلمة، ولا سيما منها وضع يده علي ملف سجن رومية حيث لم يجرؤ الآخرون؟'.

وقالت: 'ليس خافيا علي أحد أن وزير الداخلية فاجأ الخصوم قبل «تياره» وحلفائه عندما قرر وضع اليد علي ملف سجن رومية، وقد صارحه بذلك ممثلو «حزب الله» و «أمل» علي طاولة الحوار في عين التينة، وباركوا له شجاعته السياسية، لا بل قال عنه أحد أقطاب «8 آذار» إنه «وحش سياسي بكل معني الكلمة.. وهو تجرأ من حيث لم يتجرأ كل وزراء الداخلية من قبله».

ووجهت الصحيفة في أسئلتها أصابع الاتهام إلي وزير العدل أشرف ريفي الذي يحاول الحد من رصيد زميله في «تيار المستقبل» الوزير المشنوق المتراكم محليا وخارجيا باللجوء إلي لعبة الشارع. متسائلة أيضًا عما إذا اكتشف بعض وزراء «المستقبل» ممن يفتقدون جاذبية الحضور والنقاش وإقناع الآخرين، في مجلس الوزراء، أن لعبة الشارع أكثر ربحا وفائدة وجاذبية؟ وهل أن من يريد استثمار لعبة الشارع من السياسيين أو رجال الدين، سواء في طرابلس أو عكار أو البداوي أو البقاع الأوسط أو بيروت، يدرك أن هذه اللعبة ثمة رابح وحيد فيها هو التطرف وأن العلم الوحيد الذي يمكن أن يرفع فيها هو علم «النصرة» أو «داعش» أو التطرف بكل مسمياته؟

وبرغم تحمل المشنوق مسؤولية ما حصل، وبرغم فتح تحقيق وتوقيف العسكريين الخمسة المسؤولين عن التعذيب والتصوير، استمر الاحتجاج في الشارع، فهل ثمة رسالة أقوي من تلك التي قيلت ليل أمس في كل لبنان، بأن تيار سعد الحريري لا يملك المونة السياسية علي جمهوره وشارعه؟

وأكدت «السفير» أن سلوك المشنوق في «الداخلية» أفرز حساسيات حياله داخل «التيار» ولدي بعض أوساط الإسلاميين، عدا أن «زملاء» له (منهم أشرف ريفي) يخوضون ضده صراعا علي النفوذ والطموح، وبالتالي فإن هناك من وجد في أفلام «الفيديو» المتداولة فرصة ثمينة للانقضاض عليه بـ«مفعول رجعي». هل هذا السلوك مسموح به من سعد الحريري وهل من المقبول استمرار غيابه عن بلده وجمهوره وتياره، بما يفرز من ظواهر غير مألوفة، يكاد يكون المستفيد الأول والأخير منها هو التطرف؟

ولفت تقرير لوكالة الجمهورية الإسلامية للأنباء «إرنا» من بيروت، إلي أنه إضافة إلي هذه التساؤلات يمكن التساؤل أيضًا عن توقيت نشر مقاطع الفيديو بعد أقل من يومين علي الفضيحة التي كشفتها وثائق «ويكيليكس» وطالت الدبلوماسية السعودية وعددًا كبيرًا من قيادات فريق «14 آذار» وهم يتسلون المال من المملكة السعودية ويطلبون تمويل مشاريعهم ومخططاتهم، وفضحت سياسة السعودية في تعاطيها الإذلالي وابتزازها لهذه القيادات بالمال لاستمرار فرض سيطرتها وهيمنتها علي هذه القيادات، وإشراكها في الهجمة علي محور المقاومة والممانعة وخاصة إيران وسوريا وحزب الله.

وأعلنت المديرية العامة لقوي الأمن الداخلي في بيان أن لديها 'الجرأة الكافية للإعتراف العلني بالخطأ المرتكب الذي يشكل جرما واعتداء علي كرامة الإنسان من قبل قلة قليلة من عناصرها خلال تنفيذ عملية أمنية ضخمة حفاظا علي أمن الوطن والمواطن'، مؤكدة أنها ستحاسب بشدة المتورطين وستعلن عن التدابير المتخذة بحقهم أمام الرأي العام.

وأكدت أنه من خلال التحقيقات التي أجرتها تم تحديد هوية عنصرين من العناصر المتورطة وتم توقيفهما، فيما التحقيقات جارية ومستمرة لكشف هوية باقي المتورطين وإحالتهم أمام القضاء.

واستغل وزير العدل أشرف ريفي مقاطع الفيديو المسربة لمهاجمة الرئيس السوري بشار الأسد بقوله: 'نعرف انه ليست من اخلاق اللبنانيين هذه التصرفات وليست من عقلياتنا وليست من عاداتنا، انها بقايا عقل اصبح من الماضي، عقل بشار الاسد' (علي حد تعبيره).

ورد وزير الإعلام السوري عمران الزعبي علي ريفي بالقول: إن 'مدرسة الرئيس بشار الأسد هي مدرسة قيم وأخلاق وطنية، وليست مدرسة رعاع وطائفية وحقد ومساندة للارهاب'.

أضاف الزعبي في تصريح: 'إن عقل الرئيس بشار الأسد عقل حكمة ومنطق واقتدار ودراية، ومن الصعب علي أشرف ريفي ان يفهمه، وخاصة ان ريفي عديم الحكمة وفقير المنطق وعاجز عن الدراية'.

وأشار وزير الداخلية نهاد المشنوق في مؤتمر صحفي عقده أمس إلي أن تعذيب السجناء جاء خلال اقتحام قوي الأمن الداخلي سجن رومية لوضع حد لأعمال الشغب التي نفذها السجناء قبل شهرين، مشددًا علي ان 'المتورطين بتعذيب السجناء سيدخلون السجن بعقوبات قضائية وعدلية.

وأكد ان 'هناك اخطاء تحصل. فمن اصل 500 عسكري، هناك 6 ارتكبوا أخطاء خلال مداهمة المبني. هذا صحيح، ويعاقبون وفق القانون،

وأكد المشنوق أن 'هناك استغلالاً سياسيًا للسجناء والموقوفين، وهناك كلاما كبيرا يقال كل الوقت، وكأن المطلوب مني ان اظهر كل يوم علي شاشات التلفزة، وادين قوي الامن الداخلي'. وقال: 'قد تحصل مخالفات في اي سلك عسكري، الا ان الفرق انني اعتبر الكلام عن المخالفات تشهيرا. انا لا احب ان ادخل به'.

وقال: 'من يريد ان يستغل هذا سياسيا، هذه مسؤوليته، لكن اذكر اننا في الحكومة منذ سنة، وهذه المسؤولية تقع علي كل الحكومات السابقة، علي الاقل منذ العام 90. كل الحكومات اهملت هذا الملف، ومطلوب معالجته دفعة واحدة خلال 10 اشهر، هذا غير ممكن. هذا يعالج اولا بالقضاء، سواء بتسريع اصدار الاحكام، وصدرت احكام كثيرة ومسؤوليتي ان احمي السجناء انسانيا، وان تصلهم حقوقهم، وان يكون الوضع مضبوط امنيا داخل السجن'.

وأشار رئيس «تيار المستقبل» النائب سعد الحريري في بيان له إلي السجال والاتهامات غير المباشرة بين الوزيرين نهاد المشنوق وأشرف ريفي، وأعرب عن ثقته في بيان 'بأن الوزيرين ريفي والمشنوق لن يكترثا لبعض الأصوات المزايدة التي تحاول استغلال قضية محقة لتحقيق مآرب سياسية ضيقة في هذه الظروف'.

وعلق مدير عام الأمن العام السابق اللواء الركن جميل السيّد علي مواقف الوزير أشرف ريفي بالقول: «لا يحق لمن يسمّي وزير العدل أشرف ريفي أن يزايد علي وزير الداخلية في قضية فيديو التعذيب الذي مارسه بعض عناصر فرع المعلومات (قوي الأمن) وخاصةً أن هؤلاء العناصر هم من تلامذة ريفي وزعرانه الذين لطالما كان يفخر بهم وبإنجازاتهم».

وأضاف اللواء السيد: إن «تراكمات سجن رومية والفلتان الذي ساد فيه علي مدي السنوات الماضية إنما هي من الإرث القذر والمشؤوم الذي تركه ريفي في مديرية الأمن الداخلي ليصبح بعدها أسوأ وزير للعدل في تاريخ لبنان الحديث».

وتابع اللواء السيد: إن «مبادرة ريفي للاصطياد في الماء العكر ولا سيّما من خلال ما بدر منه أمس في لقائه مع بعض شيوخ الفتنة في طرابلس، إنما يعبّر عن ذهنية وصولية مريضة اكتشفها اللبنانيون فيه بعدما خلع عنه بزة الضابط المزيَّف وأصبح من داعمي زعران المحاور في طرابلس ومن حماة علم داعش (...) وإذا كان من أحد يجب محاسبته وزجّه في السجن بهذه القضية فهو ريفي نفسه».

وكشفت صحيفة «الأخبار» عن أن مسؤولا غير مدني اتصل بالحريري طالبا تدخله لمنع تفاقم الامر بين ريفي والمشنوق، فاتصل الأخير بالوزيرين طالبا التهدئة. وفيما برر ريفي للحريري موقفه بأن الشارع غاضب ولا يمكن احتواءه الا بخطوة كبيرة، وضع المشنوق ما يجري في خانة افشاله امنيا وسياسيا.

وحملت «الأخبار» بشدة علي الوزير ريفي الذي وصفته بـ«قائد المحاور السابق» في إشارة إلي دوره في الاشتباكات والمواجهات التي شهدتها مدينة طرابلس علي مدي عدة سنوات قبل توزيره في الحكومة الحالية. مشيرة إلي أن ريفي فجر «انتفاضة» في الشارع، مدعوماً بالتنظيمات السلفية وأمراء «القاعدة».

وأكدت الصحيفة أن الوزير أشرف ريفي تولي قيادة الحملة من داخل تيار المستقبل، وهدفه المباشر: رأس وزير الداخلية نهاد المشنوق. وهو هدف بدا أنه لا يخص ريفي وحده، بل قيادات عدة داخل المستقبل وحشداً من الشخصيات المحسوبة علي التيار وعلي المجموعات الإسلامية والإرهابية التي تتهم المشنوق بالسعي الي تحقيق «مكاسب شخصية علي دماء المسلمين».

ولفتت الصحيفة إلي الاجتماعات التي عقدها ريفي في منزله أمس مع شيوخ ورموز التيارات السلفية، ورأت أن 'أولي ثمار حملة ريفي ومشايخ الجماعات الإسلامية كانت غليان الشارع الطرابلسي بشكل خاص، وانطلاق حملات علي مواقع التواصل الاجتماعي من طرابلس (شمال) إلي العرقوب (جنوب) تشكو «مظلومية أهل السنة في الشهر الفضيل» وتدعو إلي استقالة المشنوق.

ولفتت الصحيفة إلي أن الاحتجاجات التي قادها ريفي وشارك فيها ناشطون من تيار المستقبل، غلب عليها شيوخ وعناصر التنظيمات السلفية، وأطلقت خلالها هتافات ركزت علي المطالبة باستقالة المشنوق.

وانضم تنظيم «جبهة النصرة» الي الاحتجاجات، مهدّداً عبر «تويتر» بإعدام العسكريين المختطفين في جرود عرسال. فيما اتهم الشيخ التكفيري الفارّ أحمد الأسير قوي الأمن الداخلي بـ«إدخال حزب الله إلي سجن رومية لتعذيب السجناء»، واصفاً المشنوق بـ«الخائن المرتد».

بدوره دعا الناطق باسم «كتائب عبدالله عزام» الشيخ التكفيري الفار سراج الدين زريقات «أهل السنة إلي حمل السلاح وقتال حزب الله».

أما التصرف الغريب فقد ظهر عبر قناة «الجزيرة» القطرية التي أبدت حماسة كبيرة في بث مقاطع الفيديو المسربة عن تعذيب السجناء بشكل متكرر في نشراتها الإخبارية أمس وتخصيصها وقتاً طويلاً للبحث فيه.

انتهي *(1)* 381*2344