العلاقات الايرانية - الجزائرية في الذكري السنوية الـ 61 للثورة الجزائرية

طهران/1 تشرين الثاني/ نوفمبر/ارنا- يصادف يوم الاول من نوفمبر الذكري السنوية الـ 61 لثورة وكفاح الشعب الجزائري من أجل الاستقلال والحرية، هذا الشعب المسلم الذي تكللت تضحياته وتحمله الكثير من المعاناة بالانتصار في الخامس من يونيو 1961، وكان الاعتزاز والفخر في نضال طويل الأمد لاحياء الهوية الدينية والوطنية والثقافية لهذا الشعب الذي كان يرزح تحت ظلم الاستعمار الفرنسي، كان باعثاً لفرحة الشعب الجزائري العظيم اضافة الي الشعوب المسلمة والمنادية بالحرية.

وقد واجهت الجزائر، بعد الاستقلال، تحولات والكثير من المنعطفات علي الصعيدين الداخلي والدولي، والتي من أهمها يمكن ذكر الانتقال من الاستقلال السياسي الي حالة الثورة الثقافية لإحياء الهوية الاسلامية والعربية والتي عمل الاستعمار الفرنسي طوال 130 عاماً علي تغيير طبيعتها وأضحت علي شفير الانقراض.
وكان العامل الاصلي المحرك لاشعال نار الثورة الجزائرية يتمثل في النسوة والرجال الوطنيين والمناضلين والذين من خلال وحدتهم الوطنية وبدعم تعاليم علماء الدين، من (الامير عبد القادر) الي (ان باديس) وجمعية العلماء المسلمين، هذا كله اوصل الثورة الجزائرية التأريخية لنتيجتها المثمرة.
وبالنسبة للشعب الايراني فكان متعاطفاً مع الشعب الجزائري إبان الحقبة الصعبة في ظل الاستعمار ثم مبدياً سروره وفرحته بنيله استقلاله، حيث انه علي اثر اعلان استقلال الجزائر في عام 1962 اعترفت الدولة الايرانية باستقلال الجزائر ونظامها الوطني الشعبي وقامت بافتتاح سفارتها في هذا البلد عام 1964.
واصبح زعماء الجزائر مثالا يحتذي به للكفاح من أجل الاستقلال والحرية من خلال نهجهم سياسة عدم الانحياز واقامة علاقات متوازنة مع كافة البلدان بما فيها ايران واتباعهم طريق نيل الاستقلال لكل البلدان الخاضعة للظلم والاستعمار. وفي هذا السياق كانوا علي الدوام، قبل الثورة الاسلامية وابان النضال وانتصار ثورة الشعب الايراني بقيادة الامام الخميني، كانوا ولا يزالون الي جانب ايران مدافعين عن حقوق وحرية واستقلال شعبنا.
فعلي سبيل المثال، لعبت الجزائر عام 1975 دوراً اساسياً في قضية وضع نهاية للخلافات الحدودية بين ايران والعراق وابرام الاتفاقية المعروفة (باتفاقية الجزائر) بين الشاه وصدام حسين. ولعبت كذلك دوراً اساسياً في حل الخلاف بين ايران وامريكا في مسألة اطلاق سراح الرهائن الامريكان والذي تكلل باعلان بيان الجزائر عام 1981، وايضاً في التوسط بين ايران والعراق في الحرب المفروضة والتي ادت الي استشهاد وزير خارجية هذا البلد بتعرضه لصواريخ عراقية، هذا كله برهن علي ما تكنه الجزائر من ود لشعب ايران والثورة الاسلامية.
وعلي اثر الانتخابات البرلمانية الجزائرية عام 1992 والتي ادت الي نشوب صراعات دموية في هذا البلد، ونتيجة لفتنة اثارتها بعض الدول العربية المناهضة للثورة الاسلامية في ايران، حصل سوء فهم بين الجزائر والجمهورية الاسلامية الايرانية، وقامت الجزائر بقطع علاقاتها مع بلادنا.
لكن مع انتخاب السيد عبدالعزيز بوتفليقة، وهو من الشخصيات المناضلة والثورية الجزائرية، لمنصب رئاسة الجمهورية، اخذت نظرة مسؤولي البلدين تجاه بعضهم الآخر بالتغيير تدريجياً، والتقي رئيسا جمهورية البلدين (عبدالعزيز بوتفليقة ومحمد خاتمي)
بتاريخ (9/9/2000) علي هامش اجتماع الالفية للرؤساء في الامم المتحدة، واعلنا استئناف العلاقات السياسية الكاملة بين البلدين.
لقد حصلت تغييرات ملفتة للنظر في الجزائر ابان رئاسة عبدالعزيز بوتفليقة في المجالات الثقافية والامنية والصحية، علاوة علي نمو وتحسن الاوضاع الاقتصادية، واضحي هذا البلد من بين البلدان الاكثر استقراراً في المنطقة. كما ان نفاذ بصيرة عبد العزيز بوتفليقة ونظرته الواقعية والثورية واشرافه علي القضايا السياسية الدولية اثمرت في اقامة علاقات حسنة ومتوازنة مع العالم واحلال روابط خارجية جزائرية مع الجمهورية الاسلامية الايرانية بصفتهما بلدين ثوريين يضعان نصب اعينهما الاستقلال والحرية والالتزام بالدين الاسلامي بصفتها ملاك الحكم السياسي. ومن هنا يمكن تسمية فترة حكم بوتفليقة فترة تناغم الفكر السياسي الثوري والسعي للاستقلال في علاقات البلدين.
ومع افتتاح ممثليات البلدين، اخذت وتيرة مسار العلاقات الثنائية تتسارع بشكل ملحوظ وشاهدت العلاقات السياسية تطوراً ملفتاً للنظر. وخلال هذه الفترة تبادل المسؤولون ومختلف الوفود السياسية والاقتصادية ذات المستوي العالي للزيارات وانعقدت لجان عليا مشتركة بين البلدين لغرض تعزيز روابطهما.
تجدر الاشارة الي ان الطرق المسدودة والتحديات التي واجهت علاقات ايران الخارجية، بما فيها وطأة العقوبات، كان لها اثرها علي روابط ايران والجزائر وأدت الي عدم وصول استراتيجيات السياسة الخارجية الايرانية في التعاون الاقتصادي مع بقية البلدان بما فيها الجزائر الي ما تصبو اليه. علماً ان بطء البيروقراطية ومنظومة اتخاذ القرار في البلدين، وأولوية الجزائر في متابعة القضايا الداخلية الناجمة عن جملة التطورات والاضطرابات في العالم العربي وكذلك الازمة الامنية المتأتية من التغييرات والتطورات في البلدان المجاورة للجزائر وتوسع حالة الارهاب، كان لهذا كله الاثر الملفت في عدم نمو العلاقات الاقتصادية.
والان وبعد التوصل الي خطة العمل المشترك للإتفاقية النووية، وقرب الغاء العقوبات خاصة في القطاع المصرفي، تقرر انعقاد اللجنة المشتركة العليا للبلدين بمشاركة المساعد الاول لرئاسة الجمهورية في الجزائر. ويحظي انعقاد هذه اللجنة بالاهمية لكون طهران محط اهتمام الشركات الدولية الكبري، ولان الجزائر ابدت خلال هذه الاعوام دعمها الثابت لاستفادة ايران من الطاقة النووية السلمية، ومطالبتها بإلغاء العقوبات لكي تنمو علاقات البلدين.
في هذه البرهة من الزمن، فان الظروف توفرت لقفزة في الروابط الاقتصادية بين البلدين بشرط ان تكون الجمهورية الاسلامية استوعبت اسباب الفرص الضائعة وتواجد برنامج وخطة للتطبيق العملي لهذا البرنامج وتوجه وفد مشترك حكومي ومن القطاع الخاص الي الجزائر قادر علي التعويض، في الظروف الجديدة، عن التأخر والركود في تنمية الروابط الاقتصادية الناجمين عن النشاط المتباطئ السابق وفترة العقوبات، وان يطبق عملياً في الفترة المحددة البرامج التي يضعها.
من جهة، هناك تتوفر الارادة السياسية في المستويات العليا في الدولتين لتوسيع العلاقات الاقتصادية، لكن توقعات كبار مسؤولي البلدين وخاصة رغبات رئيس الجمهورية (بوتفليقة) لتوسيع العلاقات مع ايران والتي لم تتحقق، هذه التوقعات يمكن ان تتحقق علي يد هذه اللجنة من خلال الاتفاق علي التنفيذ المشترك لبضعة مشاريع وان توجد تحولاً يناسب امكانات ومتطلبات البلدين.
ان الجمهورية الاسلامية الايرانية تمتلك الامكانات والقدرة العملية والتقنية والهندسية، وكذلك يمكنها بذل العون لتنمية الصادرات والتحول بالوتيرة السريعة التي يريدها مسؤولو البلدين.
لكن تحقق هذا الامر مرهون بتغيير المسار التقليدي في قطاع التجارة وايلاء الأولوية للاستثمار المشترك وانتقال المعلومات التقنية الهندسية الي جانب العقود الثنائية ومتعددة الاطرف مع الجزائر والنشاط الاوسع لعملية المتابعة في البلدين. وبطبيعة الحال علينا ان لا ننسي ان ظروف المنافسة صعبة في السوق الجزائرية، كما ان ما يزيد الطين بلّة هو التعطيل والعوائق التي تضعها في الطريق بعض الجهات والمنافسين التقليديين الغربيين والعرب. لكن لكون بعض الشركات الايرانية الناشطة في الجزائر أشارت الي قدرتها وإمكانية العمل في ظل الظروف الصعبة التي توجدها العقوبات، ففي حالة مشاركة شركات في هذه اللجنة ذات سيرة حسنة وتحظي بمستوي دولي ايراني في مجالات بناء المساكن والسدود والمصادر المائية وتوليد الكهرباء والتأسيسات الغازية والتي تعود علي ايران بحسن السمعة، مثل شركة (كيسون) و(ديداس) و(مبنا) و(آرمه نو) وغيرها، بدلاً من الشركات التي ليس لها ماض في النشاط علي الصعيد الدولي، فبدون شك علاوة علي تأثير الارادة السياسية علي العلاقات الاقتصادية فانه سيرضي رغبات المسؤولين ايضاً.
* بقلم: محمود محمدي (السفير الايراني السابق في الجزائر)
المصدر: الوفاق
انتهي**1110**1369