رؤساء استخبارات فرنسا وألمانيا وتشيكيا في دمشق للتعاون في مكافحة الإرهاب

بيروت/ 30 تشرين الثاني/ نوفمبر/ إرنا – كشفت صحيفة «الجمهورية» اللبنانية عن زيارة سرية قام بها رؤساء أجهزة الاستخبارات الفرنسية والألمانية والتشيكية، إلي دمشق مؤخرًا ، من أجل إقامة تعاون أمني مع الاستخبارات السورية في مكافحة الإرهاب.

وأشارت الصحيفة إلي أن الزيارة غير المعلنة التي قام بها رؤساء الأجهزة الثلاثة لدمشق جاءت بعد مرور أيّام قليلة علي العمليات الإرهابية التي شهدتها العاصمة الفرنسية باريس.
ونقلت الصحيفة عن مصادر سوريا تأكيدها أن هذه الزيارة 'كانت مقرّرة قبل تفجيرات 13 تشرين الثاني في باريس، لكنّ هذا التطوّر الأخير عزَّز حاجة الفرنسيين خصوصاً والألمان لإجرائها، وذلك بدلاً من أن يُصار كما كان متوقَعاً لتأجيلها تحت مبرّر انشغال كلّ المؤسسات الاستخباريّة الأوروبيّة بحال الطوارئ التي أعلنها معظم دولها تحسّباً لهجمات إرهابية في أوروبا تستتبع هجمات باريس'.
وكشف مصدر سوري لـ«الجمهورية» عن فحوي نقاشات قادة هذه الأجهزة الأوروبية الثلاثة في دمشق، وهي تتمثّل في ثلاثة مطالب حمَلها مسؤولا جهازَي الاستخبارات الفرنسية والالمانية الي المسؤولين السوريّين، فيما أدّي رئيس الاستخبارات التشيكية دور عراب إيجاد صيغ تُوافق دمشق عليها:
- المطلب الأوّل يتعلّق بطلب باريس من دمشق موافقتها علي تزويدها باللوائح الاسمية الموجودة لدي الاجهزة الامنية السورية عن «الجهاديين» حاملي الجنسيات الفرنسية الذين يُقاتلون الي جانب «داعش» و»جبهة النصرة» في سوريا.
وعموماً نجحت زيارة رئيس جهاز الاستخبارات الفرنسية في تحقيق توافق مع دمشق علي إنجاز هذا الهدف. وتُثير معلومات متّصلة بهذه القضية متوافرة لدي الامن السوري، أنّ قضية «قتال الجهاديين حاملي الجنسيات الأوروبية» مع «داعش» والجماعات التكفيرية الأخري في سوريا، باتت تُشكّل ظاهرة خطرة. وتُثبت هذه المعلومات أنّ «داعش» بمفردها نجحت خلال أعوام قليلة في تجنيد واستقطاب نحو ٢٥٠٠ «جهادي» يحملون جنسيات أوروبية، وهم يقاتلون اليوم بين صفوفها في سوريا، مع الإشارة الي أنّ نسبة عالية منهم فرنسيون.
- المطلب الثاني ركّزت عليه ألمانيا خصوصاً، ومفاده الطلب من الحكومة السورية أن تُنسّق مع الاستخبارات الألمانية في التدقيق بأسماء النازحين السوريين الذين يصلون الي ألمانيا، وذلك عبر مطابقة الأوراق الثبوتية التي يقدمونها إلي السلطات الألمانية مع سجلّاتهم الشخصية بحسب ما هي موثّقة في الدوائر الرسمية السورية.
وتخشي ألمانيا من أن تستغلّ «داعش» حالات تدفّق جموع النازحين السوريين الي أراضيها، لتُخفي بينهم متسلّلين منها لديهم مهمات شنّ هجمات إرهابية في المانيا. وقد وفّرت الزيارة بحسب الصحيفة مناسبة لألمانيا لكي تستفسر من الأجهزة الامنية السورية عن ظاهرة تُثير شكوك أجهزتها الأمنية، وقوامها ملاحظتها أنّ نسبة عالية جداً من النازحين السوريين الي ألمانيا، هم من الشباب والكهول الأزواج الذين يتركون نساءهم وأولادهم في سوريا، علماً أنّ السجلّ التاريخي لعمليات اللجوء هرباً من الحروب يحفل عادة بنزوح العائلات والنساء، فيما أرباب العائلات الذكور يبقون في بلدانهم أو يلتحقون بعائلاتهم لاحقاً وليس العكس! ومن وجهة نظر ألمانيا، فإنّ هذه الظاهرة غير مفهومة داخل السلوك الاجتماعي والأمني لظاهرة النزوح السوري.
- الامر الثالث يتعلق بإنشاء تعاون أمني فرنسي ألماني، وأيضاً أوروبي - سوري بخصوص العمليات الارهابية الخارجية.
وبحسب المصدر السوري فإنّ تشيكيا لعبت دوراً في تعريب هذه الزيارة منذ نحو ثلاثة أشهر، ونجحت في تذليل تباينات كانت قائمة بين النظام السوري وباريس خصوصاً. فالقيادة السياسية السورية اشترطت في الماضي لكي تتعاون معلوماتياً مع الاستخبارات الفرنسية حول «الجهاديين الفرنسيين» الذين التحقوا بـ«داعش» و«النصرة» في سوريا، أن يتم ذلك في إطار سياسي وعبر قنوات ديبلوماسية، وليس عبر القنوات الامنية الصرفة.
وفي لقاء عُقد بدايات هذا العام بين وسطاء فرنسيّين ورئيس مجلس الامن الوطني اللواء علي المملوك، شدّد الأخير علي أنّ دمشق لن تتعاون أمنياً مع فرنسا طالما أنّها تنحو سياسة عدائية وتتبنّي قطيعة كاملة مع النظام السوري؛ واقترح كحلّ وسط لتجاوز هذا الشرط السوري، أن تُعيد باريس تفعيل سفارتها في سوريا ولو علي مستوي قنصل، ويقوم من موقعه الدبلوماسي في دمشق بمتابعة قضايا الارهاب المعولم مع الجهات السورية الرسمية المختصة. وكحدٍّ أدني اقترح المملوك أن تُعيّن فرنسا قنصلاً أو ملحقاً أمنياً ليُتابع هذه الملفات انطلاقاً من احدي سفارات الدول المفتوحة في دمشق، كالسفارة التشيكية مثلاً. إلا أن باريس رفضت آنذاك هذا الطلب، نظراً لإصرارها علي عدم إنشاء أيّ اعتراف سياسي بنظام الرئيس بشار الاسد. ويبدو أنّ الدولة التشيكية توصّلت من خلال جهودها الاخيرة الي حلّ لهذه العقدة (وفقًا للصحيفة).
وأحد الحلول المطروحة حالياً بشكل مبدئي، هو اعتماد صيغة لتدشين تعاون استخباري بين باريس ودمشق في الملفات الثلاثة الآنفة التي طرحت في زيارة مسؤولي الاستخبارات الفرنسية والتشيكية والالمانية، وميزتها أنّها تمزج بين الاعتبارين السياسي والامني. ومن الحلول المطروحة للتطبيق هي أن تعتمد فرنسا السفارة التشيكية في دمشق مقراً تُتابع منه عملية تنسيقها الامني مع الاستخبارات السورية.
ومن وجهة نظر المصادر السورية، فإنّ الثقة الامنية بين دمشق وألمانيا لا تُواجه درجة الاهتزاز الحادة نفسها التي تسود العلاقة بين فرنسا وسوريا. وتاريخياً فإنّ المانيا أبقت علي صلات استخبارية مع دول المشرق العربي وأحزابها الكبيرة (حتي حزب الله)، وبالعادة تستخدم ألمانيا هذه الصلات في مواجهة الارهاب التكفيري أو في حلّ أزمات تنتج عن الخطف والأسر عبر تنظيم عمليات تبادل للأسري بين دول أو بين أحزاب ودول.
وأشارت الصحيفة إلي أن ألمانيا فضلت أن تقوم تشيكيا بدور الوسيط للشؤون الاستخبارية بين سوريا وأوروبا، نظرًا للعلاقات الجيدة التي تربط تشيكيا بالنظام السوري.
وقالت: إن 'هذا الدور الجديد لتشيكيا وجَد تعبيره الابرز خلال مرافقة رئيس جهاز الاستخبارات التشيكية زميليه الفرنسي والألماني في زياراتهما الي سوريا ومساعدته في إبرام توافقات أوروبية سورية بشأن التعاضد في مكافحة الارهاب. لافتة إلي أن نائب وزير خارجية تشيكيا زار الشهر الماضي سوريا وتباحث مع مسؤوليها عن دور بلده في إعادة الإعمار في سوريا، إضافة إلي ملف التوسط التشيكي بين دمشق وأوروبا.
وأشارت الصحيفة إلي أن الزيارة الامنية الفرنسية رفيعة المستوي الي سوريا انتهت بـ'تحقيق تقدّم علي مستوي التنسيق الاستخباري ضدّ «داعش»'. وكان تصريح وزير الخارجية الفرنسية لوران فابيوس الأخير عن قبول باريس الاستعانة بالجيش السوري لقتال «داعش»، قد جاء ليقدم دعماً سياسياً لنتائج زيارة رئيس الاستخبارات الفرنسية في دمشق، غير أنّ عودة فابيوس للتراجع عنه، معلناً أنّ التعاون يحدث فقط بعد المرحلة الانتقالية، قد يؤدّي الي تشويش سلاسة تنفيذ ما تمّ الاتفاق عليه، ويُعيد مجمل ملفّ التعاون الامني - المطلوب فرنسياً - بين دمشق وباريس ضدّ «داعش» و«النصرة» - الي دائرة الشروط السورية الاولي لجهة أنّ دمشق غير مستعدة لتعاون أمني كامل وشفاف فيما لو بقيَ مستوي العلاقات السياسية الفرنسية السورية مسدوداً كلّياً، أو فيما لو ظلّ التعاون الامني بين البلدين من دون أيّ تعبيرات إيجابية له داخل خطاب المستوي السياسي الفرنسي تجاه النظام السوري.
انتهي *(4)* 381*2344