«الرؤية السعودية» لعام 2030 انقلاب بن سلمان استرضاء لأميركا

بيروت/ 27 نيسان/ إبريل/ إرنا – لا شك أن ما أعلنه ولي ولي عهد آل سعود محمد بن سلمان، عن «رؤية المملكة» الجديدة لعام 2030، يشكل في حال تنفيذه انقلابًا علي السياسة الاجتماعية والاقتصادية، بل يشكل ثورة ثقافية ضد الفكر الوهابي، ستكون له مفاعيله في القادم من الأيام.

كلام أمير الحرب السعودي، لقناة «العربية» التابعة للعائلة الحاكمة، تركز في الموضوع الاقتصادي وبشكل خاص، علي وجوب إخراج الاقتصاد السعودي من الاعتماد علي العائدات النفطية، واعتماد اقتصاد بديل، أما في الموضوع الفكري والثقافي، فقد تركز علي ضرورة تطوير المنظومة التعليمية والتربوية وتأهيل المدرسين والقيادات التربوية، ما يعني عمليًا إلغاء الفكر الديني الوهابي من المناهج التربوية. أما من الناحية الاجتماعية فشدد علي حقوق المرأة السعودية ووجوب إشراكها في المجتمع. إضافة إلي إقامة المشاريع ثقافية وترفيهية وإنشاء متاحف ومسارح ودعم للفنانين وهو ما يناقض الفكر الوهابي الذي تقوم عليه مملكة آل سعود.
في مقال نشره اليوم الأربعاء، رأي الكاتب والمحلل اللبناني في صحيفة «السفير» سامي كليب، في «رؤية السعودية» 'أول ثورة ثقافية ضد الفكر الوهابي'.
كليب أعرب عن اعتقاده أن بن سلمان، يحاول من خلال أعلانه استرضاء الولايات المتحدة الأميركية، وهو يقدم بذلك 'أولي أوراق اعتماد جدية في طريق الوصول الي العرش'.
وإذ يتجاوز كليب، ما تحدث به بن سلمان عن الاقتصاد الذي يمهد لمرحلة ما بعد التخلي الأميركي عن النفط السعودي وإقامة اقتصاد بديل، معتبرًا أن ما قاله الأمير السعودي في مجالات أخري يسترعي القراءة بدقة، فيتوقف عند عبارة: «تطوير منظومة تعليمية وتربوية تركز علي التعليم المبكر وتأهيل المدرسين والقيادات التربوية...». حيث يلفت إلي أن 'هذا تجاوب واضح مع الإصرار الأميركي منذ سنوات علي ضرورة تعديل المناهج التربوية ورفع قبضة الفكر الديني الوهابي عنها'.
ويتوقف كليب علي عبارة: «المرأة السعودية تعد عنصراً مهماً من عناصر قوتنا.. سنستمر في تنمية مواهبها وتمكينها من الحصول علي الفرص المناسبة لبناء مستقبلها والإسهام بتنمية مجتمعنا واقتصادنا». فيري أن 'هذه رسالة واضحة لكل الدول الغربية وفي مقدمها أميركا المطالبة بتعزيز دور المرأة والحريات. وهذه خطوة متقدمة علي ما كان بدأه الملك عبدالله بصعوبة في سياق إشراك المرأة في مجلس الشوري'، يوضح أن 'هذه نقطة خلاف مع الفكر الوهابي ونظام المطاوعين'.
ثم يتوقف كليب عند عبارة: «تعد الثقافة والترفيه من مقومات جودة الحياة.. سنخصص الأراضي المناسبة لإقامة المشروعات الثقافية والترفيهية من مكتبات ومتاحف ومسارح وغيرها وسندعم الموهوبين من الكتاب والمؤلفين والمخرجين والفنانين»، في رؤية بن سلمان فيقول: 'لكم إن تتخيلوا شيوخ الوهابية وهم يقرأون هذا الكلام عن الفن والمسرح'.
ويقول كليب: 'لو أضفنا ما قاله ولي ولي العهد، (وليس ولي العهد) عن الشراكات الاستراتيجية والمشاريع مع دول الجوار غير الخليج الفارسي (من هي بالضبط؟) وعن الإصلاح الطموح الي حد المغالاة والخالي من الضرائب، ندرك أن الأمير الشاب يمهد، بعد الحروب العسكرية وتحدي إيران والتحالفات العربية والسنية، لمرحلة الوصول الي العرش. هو يخاطب الغرب بلغة جديدة لأن السعودية متهمة غربياً حتي تثبت العكس. وهو يريد أن يثبت العكس'.
ويختم سامي كليب مقالته متسائلاً: 'كيف سيرد غلاة الوهابية؟'.
وحول «رؤية» بن سلمان للسعودية شكك نقولا سركيس في مقال نشره في صحيفة «السفير» اليوم، بإمكانية تنفيذ ما جاء فيها حول «نهضة» اقتصادية، لافتًا إلي أن 'الحديث عن خطر «حالة الإدمان النفطية» أو عن ضرورة اعتبار البترول والغاز، وغيرهما من المواد الأولية، ليس مجرد سلعة تستهلك محلياً أو تصدّر للأسواق العالمية، بل وسيلة استثمار لتنمية مصادر أخري مستديمة للإنتاج والدخل، هو حديث نادراً ما سمعناه علي لسان المسؤولين في بلادنا، وحتي عندما نسمعه فإنه لم يوضع موضع التنفيذ'.
وقال سركيس: 'ولا غرابة بعد ذلك أن تبقي هذه البلدان، بعد عشرات السنين من انطلاق صناعتها النفطية، بلداناً «نامية»، أي متخلفة اقتصادياً، يمثل النفط 85 إلي أكثر من 95% من مجموع صادراتها، في حين يتراجع احتياطيها من البترول والغاز عاماً بعد عام، ويزداد استهلاكها من الطاقة كما تزداد حاجاتها المالية ويقترب تاريخ الانفجار الكبير عندما ستنتقل، كما انتقل غيرها، من حالة المصدّر إلي حالة المستورد للطاقة. هذا كله ناهيك عن النهب وسرطان الفساد والحروب التي أدت إليها لعنة البترول في العديد من الدول القريبة والبعيدة'.
ورأي أنه 'من الصعب فصل «رؤية المملكة» الجديدة التي عرضها عن الصعوبات الراهنة التي تواجهها السعودية جراء تدهور أسعار البترول والعجز غير المسبوق في الميزانية وتراجع الاحتياطي المالي الذي هبط إلي أدني مستوي له منذ العام 2007 والذي قد يتلاشي تماماً خلال 5 سنوات فقط، حسب تقديرات صندوق النقد الدولي، في حال استمرت الأوضاع علي حالها. أضف إلي ذلك نفقات الدعم للمنتجات البترولية والكهرباء وغيرها من حاجات الاستهلاك الأساسية، وتفشي البطالة، وأعباء المجابهة مع إيران والحرب في اليمن، وأخيراً لا آخراً اقتراب شبح انتقال المملكة، هي أيضاً، إلي مرحلة ما بعد البترول، بمعني ارتفاع حاجات استهلاك الطاقة المحلي إلي ما فوق طاقة الإنتاج'.
وإذ لفت سركيس إلي أن السياسة الاقتصادية التي تحدث عنها محمد بن سلمان تتطلب ثقة المستثمرين، والشفافية واستقلالية الشركات أو المؤسسات المعنية عن السلطة السياسية. أكد أن بيانات وحسابات شركة «أرامكو» التي تأتي في طليعة الشركات المنتجة والمصدرة، 'لا تمتاز بالوضوح والشفافية'. كما أن 'ثمة علامات استفهام كبيرة ما زالت قائمة حول إمكانية فصل الأرامكو عن العائلة المالكة وعن الاعتبارات السياسية الخاصة بالمملكة. وعلي رأس هذه الاعتبارات الاستعمال المستمر للبترول كأداة نفوذ وقدرة سياسية ووسيلة ضغط علي الدول الأخري الصديقة وغير الصديقة'.
وأشار سركيس، إلي أن «حرب الأسعار» التي تخوضها السعودية وتستهدف بها اليوم إيران وروسيا. تلحق الضرر بكل الدول المصدرة بما فيها السعودية نفسها، 'لا بل علي المدي الطويل، العالم أجمع بسبب هذا الهدر المفجع لمصدر طاقة أساسي ومادة أولية ناضبة'.
واعتبر أن 'القول بأن «الرؤية الجديدة» التي تحدّث عنها ولي ولي العهد السعودي لن تطال في المرحلة الأولي سوي أقل من 5% من مجموع أسهم الأرامكو، فمن المشكوك فيه أن يكون هذا كافياً لإقناع المستثمرين بشفافية واستقلالية صندوق الاستثمار المزمع أنشاؤه، طالما ظلت أوضاع الـ95% الباقية علي حالها'.
لذلك، يتابع سركيس، 'وبانتظار أن يوضح الأمير محمد بن سلمان تفاصيل تكوين وآلية عمل الصندوق المقترح، يبدو من البديهيات أن الرؤية الجديدة التي لا بد منها لصناعة البترول والغاز في المملكة وغيرها من الدول النامية تقتضي قبل أي شيء آخر تخفيض الإنتاج إلي أدني مستوي ممكن، بغية زيادة الأسعار والدخل والاستفادة مما تبقي من احتياطي في باطن الأرض لتنمية مصادر دخل وقطاعات إنتاجية أخري، صناعية وزراعية ومصادر طاقة نظيفة ومتجددة وغيرها، تبقي للأجيال القادمة وإلي ما بعد صناعة البترول والغاز. ومن الأكيد أن استمرار السياسات النفطية التي شاهدناها حتي الآن هي أشبه ما تكون بعملية هارا كيري (انتحار) جماعية وأكبر عملية هدر لثروة طبيعية لن تتجدد'.
انتهي *(1)*381*2344