٢٠‏/٠٢‏/٢٠١٧ ٨:٥٦ ص
رمز الخبر: 82437223
٠ Persons
إيران والسعودية .. وجبر الجغرافيا

طهران/20شباط/فبراير/ارنا- أن يُعيد وزير خارجية السعودية عادل جبير ما قاله وزير الحرب “الاسرائيلي” افيغدور ليبرمان عن ايران وبالنص في مؤتمر ميونيخ للامن ، هو أمر لم يعد مستغربا منذ وقت طويل، فمواقف السعودية و”اسرائيل” ازاء مجمل القضايا التي تشهدها المنطقة بدء من فلسطين وسوريا ومرورا باليمن والبحرين والعراق وانتهاء بإيران وحزب الله متطابقة بالكامل، ولكن ان يستميت ليبرمان بالدفاع عن “السعودية” ، والجبير عن “اسرائيل” امام “التهديد الايراني” ، هو المستغرب.

بعد ان القي ليبرمان والجبير كلمتيهما، واللتان تمحورتا حول “الخطر الايراني” الذي يهدد السعودية و”اسرائيل” والمنطقة والعالم ، داعيان الي التصدي لهذا الخطر ، فاذا بوزير الحرب “الاسرائيلي” يعلن وبصريح العبارة ان هدف ايران هو “تقويض” السعودية ، معلنا “براءة” السعودية من الارهاب التكفيري الذي يضرب اغلب دول المنطقة، ، فرد وزير الخارجية السعودي جميل ليبرمان بالقول “ان إيران تبقي الراعي الرئيسي المنفرد للإرهاب في العالم” ، شاطبا هكذا من عنده ، علي السجل الارهابي للكيان الصهيوني علي مدي اكثر من 6 عقود بجرة قلم ، محملا بالمقابل الجمهورية الاسلامية في ايران مسؤولية كل ما نزل بالعرب والمنطقة من ويلات.
ومن اجل ان تحصل تركيا علي مقعد في القطار الامريكي الذي يسعي الرئيس الامريكي الجديد دونالد ترامب تدشينه في المنطقة ، شن وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو بدوره هجوما علي السياسة الايرانية واصفا اياها ب”الطائفية” ، وانها تهدف إلي “تقويض البحرين والسعودية” ، وان بلاده “تعارض تماما أي انقسام سواء ديني أو طائفي” ،الا انه لم ينس في الختام التاكيد علي ضرورة “القيام بتطبيع علاقات بلاده مع إسرائيل “.
نرجو التوقف امام عبارة “تقويض السعودية” التي استعارها تشاووش اوغلو بالنص من وزير الحرب “الاسرائيلي” ليبرمان لانها تعني الكثير، كما نرجو ايضا المرور مرور الكرام من امام النقد الذي وجهه وزير الخارجية التركي للسياسة “الطائفية لايران”، لانه بصراحة كلام مضحك الي حد كبير، فالخطاب السياسي التركي ازاء سوريا والعراق واليمن والبحرين وكل بلدان المنطقة، هو خطاب طائفي مطعم بنكهة قومية متعصبة ، فتركيا تعادي بعض الحكومات علي اساس طائفي، وتنصر اخري علي اساس طائفي ، بل انحدرت السياسة التركية ازاء بعض دول المنطقة الي المستوي الحزبي كما هو موقفها من مصر وبعض الدول الاخري ، اما خطابها القومي المتعصب فيتجلي من خلال فرض نفسها وصيا علي كل الاقليات التركمانية في العراق وسوريا واماكن اخري ، وتعلن ليل نهار ان لها الحق في التدخل عسكريا في هذه تلك البلدان اذا ما تعرضت هذه الاقلية للخطر.
لسنا هنا في وارد الرد علي تهافت كلام ليبرمان والجبير وتشاووش اوغلو ، عن “الجهة” او “الجهات” التي تزعزع امن واستقرار دول المنطقة ، فالجميع بات يعرف من هي الجهة او الجهات التي تحتل ارض الغير وتشرد شعبه وتبني فوقه كيانا مشوها بقوة الاستعمار الغربي الظالم ، ومن هي الجهة التي ترسل جيوشها عنوة لتعسكر في اراض الغير بذريعة محاربة الارهاب ، ومن هي الجهة التي ترسل المجاميع التكفيرية ومنها “داعش” بعناوين مختلفة وبشهادة حلفائها في واشنطن الي بلدان المنطقة ليزرعوا فيها الفتن والفوضي ، ومن هي الجهة التي ترسل جيشها الي بلد جار لاحتلاله وقمع شعبه بالحديد والنار لانه انتفض علي حكومته المستبدة ، ومن هي الجهة التي تقوم بالتحالف مع دول عدة ومن بينها دول عربية ، لشن حرب شاملة ستدخل عامها الثالث قريبا علي شعب عربي اصيل بذريعة تضحك الثكلي ،والادهي من كل ذلك يزعم الجبير ان ايران “تدعم الانفصالين في هذا البلد” ، ولا ندري كيف يمكن لمجموعة قليلة من الانفصاليين ان تحارب كل هذه الجيوش الجرارة علي مدي عامين وتلحق بها الهزائم رغم الحصار البري والجوي والبحري الذي دفع باكثر من 20 مليون انسان في هذا البلد للوقوع بين فكي المجاعة.
رغم كل المحاولات التي تبذلها السعودية ، من اجل ان تتناغم في خطابها مع “اسرائيل” ازاء ايران ، ورغم كل الاموال الهائلة التي تنفقها السعودية لتأليب العالم كله وخاصة امريكا و”اسرائيل” ضد ايران ، الا ان ايران لم ولن تضع السعودية في خانة واحدة مع “اسرائيل” ، رغم ان تصريحات الجبير الاخيرة جاءت ردا علي دعوات ايران للحوار من اجل مصلحة المنطقة ، وهذه الدعوات جاءت علي لسان الرئيس الايراني حسن روحاني الذي اكد إن أساس السياسة الخارجية الإيرانية قائمة علي حسن الجوار مع الجيران والحفاظ علي أمن الخليج الفارسي ، وأن التخويف من إيران والتخويف من “الشيعة” والتخويف من “السنة” والتخويف من الجار “أمور مصطنعة من قبل الأجانب” ، كما جاءت علي لسان رئيس مجلس الشوري الإسلامي علي لاريجاني الذي دعا الي حوار مباشر مع الدول العربية وعلي رأسها السعودية ومن دون شروط مسبقة” ، واخيرا جاءت علي لسان وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف الذي حث دول الخليج الفارسي علي التعاون مع إيران لمعالجة “أسباب القلق” والعنف في المنطقة.
هناك من يستغرب دعوات ايران المتكررة للحوار مع السعودية ، واعتماد خطاب هاديء ازاء جارتها التي اخذ خطابها يتطابق مع الخطاب “الاسرائيلي” الي حد كبير ، الا ان العارفين بطبيعة السياسة الايرانية والمباديء التي تحكم هذه السياسية ، لن يستغربوا ابدا من هذه الدعوات وهذا الخطاب ، فهم علي معرفة من:
-ان ايران وايمانا بما تملك من قوة ردع هائلة ، تعلم علم اليقين ان لا “اسرائيل” ولا امريكا تتجرءان علي مهاجمتها ، وهذه الحقيقة لا تريد السعودية تصديقها ، ولهذا السبب كثيرا ما تعرضت لعمليات شفط امريكية وغربية و”اسرائيلية” لخزينتها.
-ان ايران تؤمن ايمانا قاطعا ان امنها من امن السعودية ومن امن بلدان المنطقة والعكس صحيح ، لهذا تعمل بكل ما تملك من امكانيات ابعاد التهديدات عن المنطقة ومساعدة دولها في التصدي للارهاب بكل اشكاله ، وتدعو الي حل الازمات السياسية ، مهما تعقدت ، بالوسائل السلمية والحوار ، فعام واحد من الحوار اقل كلفة من حرب يوم واحد ، وهذه الحقيقة ايضا لا تؤمن بها السعودية في تعتقد ان الحرب هي انجع وسيلة لحل الازمات ، كما هو موقفها من الازمات في اليمن وسوريا والبحرين.
-ان ايران ورغم اختلافها مع السعودية ازاء العديد من القضايا ، الا انها لم ولن تفكر يوما ان تشطب السعودية من سياستها ، او تتعامل مع السعودية علي انها “مشكلة” يمكن ان تحلها كما تريد ، ولكن في المقابل تتعامل السعودية مع ايران انطلاقا من فكرة ان بمقدور امريكا و”اسرائيل” ان تحذفا ايران من جغرافيا المنطقة ، او هكذا يتم الايحاء لزعماء السعودية ، وهذه الحقيقة اشار اليها الوزير ظريف في مؤتمر ميونخ عندما اكد علي ان تحقيق الامن في هذا العالم المترابط علي حساب سلب الامن من الاخرين امرغيرواقعي.
-ان ايران تعلم جيدا انه في حال ركب ترامب راسه او تم تطميعه من السعودية ، او تحريضه من قبل “اسرائيل” ، وهاجم ايران ، ستكون حينها ساحة المعركة منطقة الشرق الاوسط ومن ضمنها السعودية وليس امريكا ، وهو ما لا تريده ايران مطلقا ، ولكن هذه الحقيقة الواضحة كثيرا ما تغيب عن اذهان زعماء السعودية ، الذين يتصورن ان بامكان عدد من الصواريخ الامريكية ان ترسم خارطة المنطقة وفقا لمقاييسها او مقاييس ترامب او “اسرائيل”.
-ان ايران تؤمن ايمانا قاطعا بدور الشعوب في مستقبل المنطقة وفي مستقبل الصراع مع “اسرائيل” وفي التصدي لليهمنة الامريكية ، وهذا الدور كثيرا ما افشل المخططات الامريكية و “الاسرائيلية” التي كانت تستهدف المنطقة وشعوبها ، فهؤلاء ابطال حزب الله الذين لم يتجاوز عددهم بضعة الاف انزلوا اكبر هزيمة ب”اسرائيل” علي الاطلاق ، وهؤلاء ابطال حماس والجهاد والمقاومة الفلسطينية المحاصرين منذ سنوات في غزة الذين اذلوا الجيش “الاسرائيلي” في اكثر من منازلة ، وهؤلاء ابطال انصار الله والجيش اليمني وقفوا في وجه عدة جيوش حاولوا تدنيس ارضهم وكبودهم خسائر فادحة ، وهؤلاء ابطال الحشد الشعبي انقذوا العراق من عصابات “داعش” المدعومة من قوي دولية واقليمة ، الا ان السعودية لا تؤمن بهذه الحقيقة ، وتصر علي ان القوة التي تتحكم بالعالم هي قوة امريكا و”اسرائيل” فقط .
-ان ايران تعتقد ان ترامب ونتنياهو ، دفعا السعودية للصعود الي اعلي الشجرة ، عبر الحديث عن “محور سني اسرائيلي” بدعم امريكي ، “سيتصدي” لايران ، وان هذا التصدي بات وشيكا ، ومن خلال هذه “النشوة” التي حقنوا بها السعودية ، رضخت الاخيرة وعن طيب خاطر لاوامر ترامب بدفع تكاليف المنطقة او المناطق الامنة في سوريا التي ينوي ترامب اقامتها هناك ، دون ان تكلف السعودية نفسها وتسأل كيف يمكن لامريكا ان تقيم مناطق امنة في سوريا ؟ ، وما هي الامكانيات التي لديها لتنفيذ هذا المخطط ؟، وهل سيورط ترامب الجيش الامريكي في المستنقع السوري ، وهو الذي طالما انتقد اوباما لتوريطه امريكا في ليبيا؟.
لهذه الاسباب وغيرها الكثير ، لم ولن تنجر ايران وراء الخطاب “الاستفزازي” العبثي للسعودية فحسب ، بل ستحاول بشتي الوسائل انزال السعودية من اعلي الشجرة ، عبر تكرار الدعوة للحوار البناء معها ، كبلدين جارين مسلمين ، وليس بمقدور اي منهما ، بحكم الجغرافيا ، ان يشطب الاخر من المعادلة الاقليمية ، ولا خيار امامهما لحل مشاكلهما الا خيار الحوار ، وما بقي من خيارات اخري ، كالتي يروج لها ترامب ونتنياهو ، لن تكون في اي حال من الاحوال في صالح السعودية.
المصدر: شفقنا-ماجد حاتمي
انتهي**1110**1369