مضمون خطاب الإمام الخامنئي: رسائل استراتيجية تُجهض المشروع الأمريكي الجديد؟!

طهران/ 23 شباط/ فبراير/ ارنا - في ظل التهويل الأمريكي الباحث عن أرضٍ خصبة، لمشاريع واشنطن الإستكبارية، خرج خطاب الإمام الخامنئي أول أمس ليضع النقاط علي حروف المستقبل الذي يجب أن يحكم منطقتنا. حيث كان الخطاب بمضمونه واضحاً، لكنه تضمَّن في الحقيقة استراتيجية يمكن أن تكون خطة تنفيذية تُجهض المشروع الأمريكي الجديد.

فما هي حقيقة المشروع الأمريكي الذي تسعي واشنطن بإدارتها الجديدة لتنفيذه؟ و كيف يمكن تبيان إدراك واشنطن لحقيقة الأطراف في المنطقة؟ وما هي الأسس الإستراتيجية التي تُشكِّل خارطة العمل السياسي للأمة في الدفاع عن مصالحها؟
أمريكا تُدرك حجم الأطراف جيداً
يمكن الإشارة الي هذا المنحي من خلال ذكر التالي:
أولاً: أمريكا تعتبر الدول الخليجية مصدراً للتمويل لا أكثر. فقد ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ أيام الدول الخليجية في خطابه حول المناطق الآمنة في سوريا. لكنه لم يخجل أبداً أو يُخفي، أنه سيطلب من هذه الدول تمويلها. ليقول باستهزاء بأن الدول الخليجية لا تملك سوي المال. وهو الأمر الذي يجب التوقف عنده.
ثانياً: تنطلق أمريكا من مبدأ توحيد الأطراف الإقليمية ضد إيران. فمن الواضح أن الرئيس الأميركي ومن خلال مواقفه المعادية لإيران، اتَّخَذ قراراً بالذهاب بعيداً في تصعيد المواجهة مع إيران. وبالتالي فإن كل ما يقوم به الرئيس الأمريكي من محاولة حشد لاقاه عندها الطرف السعودي باكراً والتركي متأخراً، هي محاولة لإحياء واقع من العداوة ضد إيران، تستثمره واشنطن مستقبلاً. حيث يُدركك ترامب أن التدخل الأمريكي في أي دولة في المنطقة بشكل مباشر سيُكبده خسائر كبيرة.
إذن يمكن الوصول لنتيجة مفادها أن واشنطن تُدرك جيداً حجم إيران إقليمياً ودولياً. وبالتالي فهي تقوم بالتصعيد لتشكيل واقع في المنطقة يُعيد لها بعض التاثير الذي فقدته خلال نهاية العهد الأمريكي الديموقراطي السابق.
المرحلة الحالية والمشروع الأمريكي الحقيقي
تعيش واشنطن حالياً، مرحلة أساسية في عودة انطلاقتها تجاه الشرق الأوسط في ظل وصول إدارة أمريكية جديدة. حيث يمكن قول التالي:
أولاً: تُدير أمريكا مرحلة 'التقارب الإقليمي' أو ما يُمكن تفسيره بإعادة لمّ الشمل الإقليمي المعادي لإيران ولكن من خلال توكيل الكيان الإسرائيلي كبديل تنفيذي مباشر. وهو ما يهدف الي جعل الدول العربية وتحديداً الخليجية منها، تلتفَّ حول الكيان الإسرائيلي من أجل تكوين قوة إقليمية عربيّة إسرائيليّة. فيما يتم محاولة إرضاء تركيا وضمها الي هذا الإتحاد العربي مع الكيان الإسرائيلي.
ثانياً: تستخدم واشنطن كعادتها الإعلام من أجل تحقيق أهدافها. حيث تعمل جاهدة وبمساعدة أبواق عربية وغربية لتظهير إيران كطرف راعي للإرهاب. وهو ما يهدف لتأمين رأي عام مؤيد للتوجه الإقليمي المعادي لطهران.
يمكن استنتاج أن الطرف الأمريكي، لا يعمل عن عبث. بل يهدف لتعزيز وضع الوكيل الإسرائيلي، ولو من خلال إفلاس الدول الخليجية وضرب وحدة الدول العربية وإعادة استغلال الطموح التركي. الأمر الذي يعني أن جوهر ومغزي السياسية الأمريكية من التصعيد ضد إيران ينطلق من كون طهران هي صمام الأمان لمشاريع الممانعة والمقاومة في المنطقة أي هي المُحرك الأساسي في الدفاع عن القضية الفلسطينية، وبالتالي تهدف واشنطن لضرب القضية الفلسطينية أيديولوجياً وعملياً.
بين مؤتمر دعم الإنتفاضة وخطاب الإمام الخامنئي: حدثٌ بمسوي التحديات!
إن القارئ لخطاب الإمام الخامنئي وبعينٍ ثاقبة قادرة علي التحليل بين السطور، يجد التالي:
أولاً: أعاد الخطاب الإستثنائي للإمام الخامنئي، التأكيد علي محورية القضية الفلسطينية وضرورة التمسك بالمقاومة كخيار وحيد. الأمر الذي يحمل في طياته العديد من الأهداف والتي يأتي في مقدمتها ترسيخ الوحدة الإسلامية والعربية. وهو الأمر الذي يهدف لضرب مساعي واشنطن لإحداث شرخ عربي وإسلامي. فيما نجح الخطاب في إعادة استقطاب الشعوب الإسلامية والعربية من جديد. كما يؤكد أن العدو الأول لإيران هو أمريكا والكيان الإسرائيلي وسياستهم الإستكبارية وليس أي طرف آخر.
ثانياً: أكد الخطاب، علي ضرورة التعاطي مع مسألة وجود الكيان الإسرائيلي علي أنه غير شرعي. وهو ما يحتاج لترسيخ عدم استمرارية هذا الكيان ودعم نهج المقاومة وأطراف الممانعة. الأمر الذي يضرب مساعي أمريكا لتأمين واقع من الإتحاد العربي حول الكيان الإسرائيلي ويجعل هذه المساعي علي مستوي الأنظمة لا أكثر. مما يُفقدها من جوهرها وقوتها.
ثالثاً: أكد الخطاب، ضرورة الإلتفاف حول مبادئ الأمة الجامعة، عربياً وإسلامياً. وهو ما يتطلَّب من التيارات المقاومة الإبتعاد عن الخلافات والإنتباه للمؤامرات. مما يعني ضرورة العمل علي ضرب المشروع الأمريكي العربي الهادف لإعادة إحياء محادثات السلام بشكلها المتخاذل خصوصاً بعد تسريب الإعلام لإجتماعات حصلت في الأردن تهدف لشرعنة الإحتلال وتقسيم فلسطين.
رابعاً: أعطي الخطاب الحق للإنتفاضة الفلسطينية. حيث ركَّز الإمام علي أن الإنتفاضة الحالية الثالثة مظلومة أكثر من سابقاتها لكنها ستكون سبباً لنهاية الإحتلال. فيما ربط الإمام بين الماضي والحاضر الفلسطيني، عبر التأكيد علي التاريخ العريق الذي تمتلكه المقاومة الفلسطينة والذي يجب أن تستفيد منه. وهو ما أعاد الإعتبار للطرف الفلسطيني المقاوم كلاعب أساسي في الصراع الحالي.
خامساً: حذَّر الإمام من جعل الخلافات بين الدول العربية أو داخلها أولي من القضية الفلسطينية. وهو ما يمكن أن يقطع الطريق علي محاولات أمريكا، استغلال هذه الخلافات لحشد الأطراف لصالحها وضد بعضها البعض. فيما شكَّلت هذه النصيحة دعوة لتكوين الدول العربية لحلف يواجه السياسة الأمريكية. وهو يُعبر عن حجم القوة الإيرانية والتي لا مشكلة لديها مع وجود قوة عربية موحدة!
إذن، إن خطاب الإمام الخامنئي بالأمس، كان واضحاً ومفهوماً في مضومنه. لكنه في الحقيقة كان بليغاً في رسائله. حيث أنه يمكن اعتبار كل نقطة في الخطاب، خطوة تجاه ضرب المشروع الأمريكي الذي تسعي الإدارة الأمريكية الجديدة لإحيائه في المنطقة عبر توحيد الأطراف ضد إيران، لإعادة حرف البوصلة عن الصراع مع الكيان الإسرائيلي. فالإدارة الأميركية تعلم جيداً أن أي حرب عسكرية مع إيران ستبوء بالفشل وستنتهي بالهزيمة. في حين يجد البعض أن تصعيد واشنطن يهدف إما لدفع حلفاء أمريكا لمواجهة إيران، أو لإيجاد سوق حيوي لتجارة السلاح. الأمر الذي لا يمكن أن يحصل دون تعزيز الإنقسام العربي العلني الطائفي والمذهبي، والترويج للمواقف المعارضة لمحور المقاومة بين البلدان العربية خدمة للكيان الإسرائيلي.
علي كلِّ حال، خط الإمام الخامنئي حروف السياسة الإستراتيجية التي ستحكم المنطقة من الآن وصاعداً. وهي السياسة المبدأية التي لا ربط لها بطبيعة الزمن، أكان زمن حربٍ أو سلم. بل إن الخطاب رسم أُسس المستقبل المُشرق للمنطقة، والذي يُراعي خيارات الشعوب، ويحتضن القضية الفلسطينية. ففي حال انزلقت الأمور لما نعتبره تهويلاً بالحرب، فالنتيجة معلومة مُسبقاً. أما في حال كانت أمريكا تستخدم لغة التصعيد لنسج التوازنات وحياكة المعادلات، فهي لن تكون أمهر من أرباب صناعة السجاد.
لقد أطلق الإمام الخامنئي بالأمس، الإطار المبدأي لأي خارطة سياسية مستقبلية ستحكم المنطقة، فهل سيجد المشروع الأمريكي مكاناً لها في منطقتنا بعد خطاب الأمس؟
المصدر: الوقت
انتهي** 2344