٢٩‏/٠٥‏/٢٠١٧, ١١:٠٧ ص
رمز الخبر: 82548040
٠ Persons
رمضان في الجزائر،عبادات وعادات

الجزائر / 26 أيار / مايو / إرنا-فريضة الصيام لدي المجتمع الجزائري من أقدس الفرائض الإسلامية علي الإطلاق فقد تحول بعد 15 قرنا من دخول الإسلام المغرب العربي، إلي مقدس اجتماعي تغلغل في الضمير الجمعي للجزائريين، وأصبحت سطوته الاجتماعية أكبر من قدسيته الدينية. .

ومن أغلظ الأيمان التي كانت تطلقها المرأة بمدينة الجزائر القديمة قولها 'بالكُفاره وصيام العام'، ومعناها أنها ستصوم العام إن هي حنثت، وهو تأكيد علي أنها لن ترجع في كلامها، لأنها إن فعلت فالأكيد ستصوم العام كله.
لذلك من النادر جدا بل يكاد يكون مستحيلا، في رمضان، أن تصادف في الجزائر شخصا يأكل علنا، أو أن تجد مطعما مفتوحا. فالشارع الجزائري صائم حتي علي غير المسلم وعلي المسافر والمريض.

**طهارة الجسد.. طهارة الروح
يقول الجزائريون 'إن لرمضان رائحة تشمها قبل حلول شهر شعبان'. وسبب ذلك أن التحضير لهذا الشهر الكريم لديهم يبدأ حتي قبل حلول شعبان.
الطهارة عند الجزائريين لا تقتصر علي وضوء الصلاة، فهي عندهم مقدمة لفريضة تطهر بدورها الإنسان المسلم، حتي أنهم قالوا لمن ذهب للحج 'رَاحْ يَغْسَلْ عْضَامُهْ' (ذهب لغسل عظامه). والحال كذلك، كانت النسوة بحي القصبة تشرع، قبل حلول شعبان، في إعادة طلاء البيت بالجير يخلط بالنيلة الزرقاء وطحين ورق التين البربري فيعطي مادة مضادة للرطوبة وتثبت الجير، ومن لم يسعفها الحال في إعادة طلائه تجتهد في غسل جدرانه. كانت ربات البيت تقلن 'إنه لا صيام علي وسخ'، وإذا كانت الأمور لم تعد كما كانت عليه سابقا، إلا أنه مازال من العائلات الجزائرية من تغسل جدران البيت كله قبل حلول شهر رمضان. ولنا أن نتخيل تلك الجلبة التي يحدثها الفتيان والفتيات الصغار حول الحنفيات العمومية لجلب الماء إلي البيوت.
ولم تكن إعادة الطلاء أو غسل الجدران مقتصرة علي البيوت فقط، فالمساجد كانت تستعد بأن يعاد طلاء جدرانها أو غسلها، ويعاد سجادها إن أمكن أو يغسل. وتركب المصابيح الملونة علي مآذنها وقبابها وعلي مداخلها. وكذلك تفعل الزوايا التي كانت منتشرة في أزقة المدينة القديمة.
خلال أيام شعبان تخرج النسوة إلي أسواق الأواني لاقتناء أواني جديدة لمائدة الإفطار، وكن تحرصن علي اختيار أجمل الأواني الفخارية والزجاجية. ففي ثقافة العائلة بمدينة الجزائر لا يجوز كذلك أن تطهي شربة رمضان في قدر السنة الماضية. كما لا يجوز أن تقام سهرة في رمضان يدعي إليها الأصدقاء والأحباء وتقدم القهوة أو الشاي في طقم ينقص منه فنجان أو صحن. وكثيرا ما تتباهي ربة البيت بأوانيها الجديدة أمام جاراتها وصديقاتها وضيوفها.
بعد سوق الأواني التي تتحول كل رمضان محجا للنسوة، تتجه الأنظار إلي سوق التوابل والفواكه الجافة. فرائحة المطبخ يجب أن تخترق نوافذ البيت وجدرانه إلي الخارج، ولا شيء يخرجها غير توابل جديدة أصيلة.
خلال كل أيام شعبان كانت أزقة القصبة المحاذية للأسواق الشعبية المختصة في بيع التوابل تكتظ بالنسوة، يغمسن أيديهن في أكياس التوابل، يأخذن منها حفنة، يتحسسنها بين الأصابع، يقربنها من أنوفهن للتأكد من أصالتها.
وكثيرا ما تتجمع النسوة أمام دكاكين أسواق التوابل تتبادلن خبراتهن في الطبخ، وكل واحدة تطلع الأخري عن طبق معين وطريقة تحضيره. فالقصبة كانت مدينة استقطبت الناس من كل أنحاء البلاد، واستقروا بها في هجرات متتالية، وكانت هذه الأسواق فضاءات للتبادل الثقافي بما فيه ثقافة الطبخ. منظر رائع للنسوة الملتحفات بـ 'الحايك' (رداء أبيض تستر به المرأة في مدينة الجزائر كل جسدها) متحلقات حول أكياس التوابل، كأنما سرب من الحمام الزاجل حط علي كومة من القمح.

**من مقام 'الزيدان' و'رمل الماية' إلي صوت المدفع
يروي الشيوخ والعجائز من حي 'القصبة عن آبائهم عن آباء آبائهم، وتذكر بعض كتب التاريخ ذلك، أنه كان لسكان هذا الحي العتيق طريقة طريفة في معرفة وقت الإفطار أو 'كسر الصيام'، كما يقولون، أيام لم يعرف الناس بعد الكهرباء ومكبرات الصوت، ولا الراديو أو التلفزيون، فكان الحي والمنازل تضاء بقناديل الزيت، وكان صوت الآذان المرفوع من المساجد الرئيسية الأربعة (الجامع الكبير والجامع الجديد وجامع سيدي عبد الرحمن وجامع سفير) لا يصل إلي كافة الناس.
كان الآذان في مدينة الجزائر يرفع علي طريقة 'الصنعة' (مدرسة في الطرب الأندلسي اختصت بها الجزائر العاصمة)، وكان مقاما 'الزيدان' و'رمل الماية' طاغيان علي آذان المدينة.
ولأن المدينة العتيقة مبنية علي سفح جبل رأسها، كانت منازلها أشبه بمصطبات مسرح روماني حتي لا تحجب أي بناية الضوء عن بناية أخري، فكان بإمكان كل سكانها أن يروا أفق البحر من أسطح بيوتهم، وكان أئمة المساجد والجوامع المنتشرة في الحي يعمدون إلي رفع علم أبيض إيذانا باقتراب موعد الإفطار، وبعده بدقائق يرفعون علما أخضر يلي الآذان إيذانا بأن وقت الصوم انتهي.
إلا أن فكرة الأعلام هذه اختفت في نهاية القرن التاسع عشر، أيام الاحتلال الفرنسي للجزائر، وفتحت المجال لضربة المدفع من الأميرالية بأسفل المدينة أو من 'دار السلطان' بأعالي المدينة حيث كان قصر الداي في أواخر الحكم التركي.
لذلك كان الجزائريون يقولون لوقت المغرب 'ضْرَبْ المَدْفَعْ'، وهي عبارة مازالت بعض العجائز ترددها. وهناك أغنية كان يرددها الأطفال الصغار قبيل الآذان بقليل يستعجلونه، وهم الذين لم يصوموا ولكنهم لم يأكلوا إلا بالقدر الذي يوقف ألم الجوع، في انتظار مائدة الإفطار، يقولون فيها:
أذن أذن يا الشيخ بَاشْ يَضْرَبْ المَدْفَعْ
هو يعمل بَمْ بَمْ
وانا نَعْمَلْ هَمْ هَمْ
هُو مَا يَضْرَبْشِي وانا مَا نَاكُلْشِي

**تكافل اجتماعي منقطع النظير
وقبل أن تطلق المدافع دويها بدقائق تبدأ الشوارع تخلو من الناس، بينما يصطف الفقراء أمام المساجد والزوايا وديار الخير لتناول فطورها الذي يأتي من المحسنين وأموال الوقف. وكانت زاوية الولي الصالح الصوفي 'سدي عبد الرحمن الثعالبي' بحي القصبة العتيق من أهم الأماكن التي يقصدها الفقراء وعابرو السبيل، وكذلك ملجأ يدعا 'دار الخيرية' بالحي نفسه.
أما اليوم هناك مطاعم عوضت في كافة أرجاء مدن الجزائر تسمي 'مطاعم الرحمة' تشرف عليها وزارة التضامن وتمولها بالإضافة إلي هبات المحسنين تستقبل كل رمضان الفقراء وعابري السبيل. كما أن هناك جهاز سمي 'قفة رمضان' تشرف عليه الوزارة نفسها وتنظمه البلديات، توجه فيه قفة فيها مستلزمات غذائية لشهر رمضان بقيمة تصل إلي 50 دولارا تعطي للعائلات المعوزة.

**شهر رمضان شهر الموائد
في رمضان تتحول المدن الجزائرية في شهر رمضان إلي سوق كبيرة وتزداد حركة التجارة، وتزدهر التجارة الموازية في الشوارع وعلي الأرصفة، وهناك من المحلات من يغير نشاطه، فيتحول بائع الملابس إلي بائع حلويات ويتحول محل الميكانيكي إلي محل لصناعة الحلويات أو العصائر. ففي رمضان يزداد استهلاك الجزائريين بشكل كبير، وأغلبية الجزائريين يعدون العدة لهذا الشهر ثلاثة أشهر من قبل، فيتقشفون ويقتطعون من رواتبهم ويدخرونه لهذا الشهر. فمتوسط إنفاق الجزائريين في هذا الشهر يصل إلي 600 دولار تذهب كلها في الأكل، في حين أن متوسط دخل الجزائري هو 300 دولار.
رمضان في الجزائر إذن شهر للمائدة والإنفاق عليها، وهو تقليد ليس جديدا علي الجزائريين، ولكن إسراف الجزائريين في هذا الشهر أصبح يزداد يوما بعد يوم، فالجزائري أصبح لا يكتفي بأكل أجود من أكل سائر أيام السنة، بل وعليه أن ينوع فيه، أنواع من الخبز وأنواع من المشروبات وأنواع من الفاكهة والحلويات، وأغلب ما يقتنيه يذهب في المزابل.
وتقول أرقام وزارة التجارة إن '12 مليون خبزة ترمي في المزابل خلال شهر رمضان'، بينما تقول أرقام نقابة الخبازين إن 'الجزائريين يرمون 1.8 مليون خبزة في اليوم، خلال شهر رمضان'، علما أن سعر الخبزة الواحدة وهو سعر مدعوم من الدولة هو 10 دنانير جزائرية (أقل من 0.10 دولار).

**صائمون حتي عن العمل
ففي الجزائر يقل نشاط العمل لدي الجزائريين والإدارات العمومية وكل القطاعات الأخري حتي الإنتاجية تغير توقيتها، وعادة ما تؤخر بداية العمل إلي التاسعة صباحا بدل الثامنة وتقدم ساعة الخروج إلي الرابعة بدل الخامسة. ولكن الكثير لا يدخل عمله إلا في العاشرة، ويخرج من عمله ساعة قبل الموعد، خاصة النساء العاملات بحجة التزامات المطبخ. وبين التاسعة والثالثة، تذهب ساعات لدي العديد من العمال في الأسواق.
وأكثر الجزائريين عناء في شهر رمضان هو المرأة، تقضي أغلب يومها وجزء من ليلها في المطبخ، فهي تحضر طعام الإفطار ومائدة السهرة والسحور.
وتتكون مائدة الإفطار من عدة أطباق بعضها يتكرر كل يوم، مثل 'الشربة' وهو حساء مصنوع من 'الفريك' (مدقوق القمح قبل أن ينضج تماما) أو من 'المقطفة' (شعيرات دقيقة من العجين تعده النسوة في البيت أياما قبل حلول رمضان). وهناك طبق 'اللحم الحلو'، وهو طبق من البرقوق المجفف أو المشمش المجفف والزبيب واللوز يطبخ في مرق من اللحم. وهذا الطبق مقدس في مائدة الجزائريين في رمضان وفي الأعراس، ولا يستغني عنه إلا القلة من العائلات. وهناك 'البوراك'، وهي لفافة من العجين في شكل إصبع تحشي باللحم أو الدجاج والجبن المخلوط بالبصل وصفار البيض وتقلي في الزيت. وهذه الأصابع تأكل مع الشربة. كما لا تخلو مائدة الجزائريين من أنواع السلطات وطبق آخر من اللحم مع الخضراوات. وهذه الأطباق المذكورة هي أطباق المائدة العادية المتوسطة، فهناك موائد أخري أكثر إسرافا.
وتعد مائدة الإفطار في رمضان الفرصة الوحيدة التي يجتمع فيها كل أفراد العائلة ولا يتأخر عنها أحد. وأغلب الجزائريين لا يلبون دعوة الأصدقاء والأقارب للإفطار، ويفضلون أن يفطروا مع عائلاتهم، لأنها فرصة لا تتكرر إلا خلال شهر رمضان. وإذا أردت أن تدعو أحدا للإفطار فعليك أن تدعو كل العائلة مهما كان عددها.

**بعد المغرب تستيقظ المدينة
وبعد الانتهاء من الفطور، تبسط مائدة القهوة والشاي وتقدم معها أنواع الحلوي وأهمها 'قلب اللوز' وهو دقيق القمح واللوز مطبوخ في العسل و'القطايف' و'الزلابية'. أما سحور الجزائريين فعادة ما يكون كسكس بالزبيب واللبن.
وبعد أن يفرغ الجزائريون من الإفطار تختلف وجهاتهم، فبعض الرجال يتوجهون إلي المساجد .
وبعد الإفطار، تعود الحياة إلي المدن الجزائرية، فتفتح كل المحلات إلي وقت متأخر من الليل. ولولا الظلمة لقلت إن النهار للتو طلع، فتكتظ الشوارع والساحات العمومية وقاعات الحفلات علي إيقاع صخب لا يهدأ إلا مع اقتراب الفجر فتنام المدينة من جديد.
انتهي**472**2041**1369