الانتخابات النيابية المقبلة في لبنان: بين قانون جديد وتحالفات غير واضحة

بيروت/19 شباط/فبراير/ارنا-ينتخب اللبنانيون في ايار المقبل مجلسا نيابيا جديدا ليخلف برلمانا انتخب عام 2009 وعمّر تسع سنوات بفضل ثلاث تمديدات متتالية .

التمديد الاول حصل في ايار 2013 ثم تلاه ثان في حزيران 2017 وفي كلتي الحالتين حضر العامل الامني كحجة موجبة في حين اتخذ التمديد الثالث طابعا تقنيا للتحضير لمتطلبات انتخابات ستجري لاول مرة وفق القاعدة النسبة . فمنذ الاستقلال انتخب اللبنانيون برلماناتهم المتتالية وفق القاعدة الاكثرية الي ان اقر مؤخرا وبعد مخاض طويل ومضني قانون قائم علي النسبية .
هذا القانون الجديد هو السمة الابرز في هذا الاستحقاق الهام والمفصلي . فالنسبية تحمل بطبيعتها امكانية توسيع تمثيل شرائح جديدة كما انها وعلي عكس كل التجارب الانتخابية السابقة، ترخي بظلال من الغموض وعدم اليقين علي النتائج ما يتوقع ان ينعكس تعديلا في خارطة القوي السياسية الممثلة في البرلمان اللبناني .
اضافة الي هذا المعطي الجديد يمكن اضافة ثلاث ميزات للانتخابات العتيدة :
اولا :هي تأتي بعد عام علي التسوية الرئاسية والتي ادت الي وصول الجنرال ميشال عون الي سدة الرئاسة . وبذلك انتصرت فكرة الرئيس القوي التي طالما نادي بها فريق وازن من اللبنانيين وخاصة المسيحيين الذين اعتبروا قضية وصول رئيس يتمتع بحيثية شعبية ونيابية مطلبا اساسيا ومحقا طوال فترة ما بعد الطائف . وعليه فان الانتخابات فرصة لاختبار الواقع الجديد في بعبدا وما اذا كانت نتائج الانتخابات ستساهم بتثبيت التسوية الرئاسية فضلا عن رفد العهد بالزخم اللازم خاصة بعد تكرار مقولة ان العهد الجديد لم يبدأ بانتظار مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية .
وفي هذا السياق يترقب المراقبون نسبة المشاركة المسيحية في الاستحقاق الانتخابي وكيفية توزع اصوات الناخبين المسيحيين وما اذا كان التيار الوطني الحر الاقرب الي رئيس الجمهورية سيتكرس التيار المسيحي الاقوي في عهد الرئيس عون .
كما ان الانظار متجهة لمعرفة كيفية ترجمة التفاهمات والاتفاقات التي عقدت مؤخرا سواء بين التيار الوطني الحر وتيار المستقبل او بين التيار الوطني الحر والقوات .
ثانيا : تأتي هذه الانتخابات بعد ان استطاع لبنان دحر الارهاب عن اراضيه، وبعد المتغيرات التي حصلت في البلد الجار الاكثر تأثيرا وتأثرا في الواقع اللبناني اي سوريا. فقد بدأت الدولة السورية تسستعيد السيطرة علي اوضاعها فهل تؤدي الوقائع السورية الجديدة الي تعديل موازين القوي الداخلية ام سيحافظ المجلس النيابي علي توازناته الحالية .
ثالثا : تجري الانتخابات عقب مرحلة شهدت فيها البلاد حراكا داخليا مطلبيا بسبب تردي الاوضاع الاقتصادية والانمائية .فقد ظهرت العديد من التحركات الاعتراضية علي القوي السياسية المشاركة في السلطة .وارتفعت اصوات كثيرة تنادي بضرورة التغيير وتشكلت اطر تنظيمية جديدة ضمن ما يسمي بالمجتمع المدني . وقد بدأ هؤلاء بتنظيم صفوفهم لخوض المعركة الانتخابية التي يبدو واضحا انها ستشكل اختبارا لكلا الطرفين . ستختبرقوي السلطة الاساسية في البلاد مدي صلابتها وقوتها ، مقابل قدرة الحركات المعترضة سواء كانت من المجتمع المدني او من المنشقين عن احزاب السلطة ، علي احداث الاختراقات الجدية والمؤثرة .
انطلاقا من هذا الواقع وما يتولد عنه من ضبابية في النتائج وامكانية في تعديل موازين القوي في المجلس النيابي المقبل، يكثر الهمس في الصالونات السياسية اللبنانية حول مواقف دولية واقليمية تتخوف من نتائج انتخابية لا تصب في مصلحة حلفائها وقد اشار رئيس مجلس النواب نبيه بري اكثر من مرة الي ان هناك جهتين تسعيان لتعطيل الانتخابات وهما اسرائيل والسعودية وذلك بسبب تقدير لديهما يفيد بان هناك امكانية لتعزيز موقع حزب الله وحلفائه في المجلس النيابي الجديد وذلك علي الرغم من ان نائب الامين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم وهو المكلف بادارة الحملة الانتخابية للحزب، اكد عدم وجود هدف لدي حزب الله بتغيير موازين القوي مشيرا الي ان الهدف الوحيد هو المساهمة في توسيع المشاركة والتمثيل لكل القوي السياسية . كلام قاسم لا يبدو انه وجد صدي لدي اصحاب الهواجس والمخاوف ما دفع بالعديد من المراقبين الي التحذير من ان تسعي واشنطن وحلفاؤها السعوديون والاسرائيليون الي تعطيل الانتخابات عبر اختلاق احداث امنية واطلاق تهديدات تجاه لبنان فضلا عن محاولة التأثير علي نتائجها عبر تقديم الدعم المالي لحلفائهم .
**التحالفات الانتخابية :
حتي هذه اللحظة تتحكم بالتحالفات الانتخابية ثلاثة عناوين :
اولا: العنوان السياسي الذي لم يظهر من تجلياته تحالف وحيد هو تحالف امل - حزب الله. اما التحالفات السياسية التي حكمت المشهد السياسي منذ العام 2005 والتي قسمت البلاد بين قوي 8 و14 اذار فيبو انها ذهبت ادراج الرياح بسبب تشتت القوي وانفراط عقد التحالفات حيث من الممكن ان تشهد الدوائر تحالف المتناقضين من جهة وتنافس بين القوي التي كانت محسوبة علي الخط السياسي الواحد .
العنوان الثاني : عنوان انتخابي يظهر من خلال سعي ِ بعض القوي للتحالف بناء علي الضرورات الانتخابية الموضعية فلا يكون الحاكم هو اللون السياسي بل القدرة التمثيلية للمتحالفين .
العنوان الثالث : عنوان اعتراضي ، تحاول من خلاله القوي المهمشة سياسيا ان تعترض علي القوي السياسية في السلطة وان تجمع نفسها ضمن لوائح انتخابية من اجل المنافسة لدخول النادي النيابي واثبات نفسها كشريك سياسي .
السيناريوهات الانتخابية المتوقعة :
حسب استطلاعات المراكزالمتخصصة في القضايا الانتخابية تتفاوت التوقعات وفق ثلاث سيناريوهات :
الاول : وهو الذي ترجحه الاستطلاعات والقاضي بأن تحافظ القوي الرئيسية في البلاد علي احجامها الحالية في المجلس مع تعديلات بسيطة لا تؤدي الي تغيير كبير في موازين القوي مع تسجيل تقدم لصالح قوي 8 اذار اضافة الي وصول شخصيات من القوي الاعتراضية دون ان يكون لها تأثير كبير وذلك لتشتتها وعدم قدرتها علي اختراق جدي في موازين القوي الحالية
الثاني : وهو يعتمد علي وجود تململ شعبي من اداء القوي السياسية في السطة مما سيؤدي الي ضعف المشاركة وعدم قدرتها علي حشد كتلها الناخبة التقليدية ما سيؤدي الي خلط الاوراق وحدوث خروقات واسعة في اكثر من منطقة مما يسمح بدخول تشكيلات سياسية جديدة ووازنة الي المجلس . ويرتكز اصحاب هذا السيناريو علي نتائج الانتخابات البلدية الاخيرة التي سجلت مفاجآت صادمة للقوي التقليدية في بيروت وشمال لبنان وخاصة لتيار المستقبل .
الثالث :تمكن قوي 8 اذار من تحقيق نتائج متقدمة وحصولها علي اكثر من ثلث مقاعد المجلس النيابي الحالي ما يعني تعديلا في الموقع السياسي للبنان لصالح محور المقاومة .ويستند اصحاب هذا السيناريوعلي مجموعة عوامل ابرزها : تماسك تحالف امل حزب الله الذي يشكل رافعة متينة لقوي 8 اذار اضافة الي المتغيرات والانجازات في الاقليم لجهة دحر الارهاب مقابلوتضعضع قوي 14 اذار وانقسامها الحاد خصوصا بعد احتجاز السعودية لزعيم 14 اذار سعد الحريري ومحاولة دفعه للاستقالة .
في كل الاحوال وايا يكن سيناريو ما بعد الانتخابات ، يشير المراقبون الي ان طبيعة تركيبة لبنان الطائفية والسياسية وخصوصية نظامه الديمقراطي التوافقي، لا تسمح باي تغيير دراماتيكي في موازين القوي. وفي احسن الاحوال سوف نشهد تبدلات في احجام الكتل دون ان ينعكس ذلك تغيرا جديا في الاتجاهات السياسية القائمة علي اساس التسوية الحالية . فلبنان لا يمكن ان يدار بعقلية الغلبة او تفوق فريق علي اخر.
انتهي**388 ** 1837