رِهانات بعض دُوَل الخلیج الفارسی علي تَغییر النِّظام فی طِهران أمریكیًّا “غیر واقِعیّة”

طهران/23ایار/مایو/ارنا- أهم رد فعل صَدر عن السُّلطات الإیرانیّة تُجاه الشُّروط الأمریكیّة الـ12 التی طَرحها مایك بومبیو، وزیر الخارجیّة الأمریكیّة، فی إطار تهدیداتِه الاستفزازیّة، ورد علي لِسان الرئیس حسن روحانی عندما قال “من أنتم حتي تُقرِّروا عن إیران والعالم”.

صُدور هذا الرَّد القویّ علي لِسان رئیس إیرانی “إصلاحی”، وعلي هذهِ الدَّرجة من القُوّة والاستخفاف بأمریكا وتَهدیداتِها، یعنی أنّ إیران كلها، بمُعتَدلیها قبل مُتشدِّدیها، ستَقِف فی خَندقٍ واحِد فی مُواجَهة أی عُدوانٍ أمریكیّ، سواء كان حِصارًا اقتصادیًّا تَجویعیًّا أو هُجومًا عَسكریًّا.
السید اسحاق جهانغیری، نائب الرئیس الإیرانی كان مّصیبًا عندما قال “أنّ بومبیو جاء مُتأخِّرًا 40 عامًا، فالشَّعب الإیرانی قامَ بالثًّورة حتي لا یُملِی علیه أحد ما یَجِب أن یفعله”.
لاحظنا أنّ بعض الأشقاء الخلیجیین تعاطَفوا بسُخرَیة مع رد الفِعل الإیرانی علي التَّهدیدات الأمریكیّة، خاصَّةً تِلك التی صدرت عن الرئیس روحانی، وأعادوا إلي الأذهان فی تغریداتِهم، وتعلیقاتِهم علي وسائط التواصل الاجتماعی، استخدام العِبارة نفسها من قِبل الزَّعیم اللیبی الراحل معمر القذافی، وغابَ عن ذِهنهم، أنٍ “من أنتم الإیرانیّة” تختلف كُلِّیًّا عن “من أنتم القذافیّة” لأسباب عدیدة، أبرزها أنّ إیران الحالیّة لیست مِثل لیبیا التی كانت مَعزولةً ومُحاصَرة عربیًّا، ولا تَملُك جَیشًا ولا حُلَفاء أقویاء.
لیبیا العقید القذافی كانت لا تَملُك أدوات الانتقام، والقُدرات علي الرَّد عَسكریًّا، فقد سلَّمت أسلحتها الكیماویّة لأمریكا، وفكَّكت برنامَجها النووی، وخلعت كل أنیابها ومخالبها طَوعًا، وسلَّمتها للمُحتال الأكبر تونی بلیر، رئیس وزراء بریطانیا الأسبق، مُضافًا إلي ذلك أنّ إسرائیل بَعیدة كُلیًّا عن مَرمي نیرانها، بینما الحال یبدو مُختلفًا كُلِّیًّا فی الحال الإیرانیّة لعِدَّة أسبابٍ نُوجِزها فی النُّقاط التالیّة:
ـ أوَلاً: إیران تَملُك ترسانةً عسكریّةً هائِلة تَضُم أكثر من 400 ألف صاروخ من مُختَلف الأحجام والأبعاد، وجیشًا قویًّا مُتمرِّسًا فی الحَربین التقلیدیّة والعِصابات، مِثلما تَملُك غوّاصات وزوارق حربیّة سریعة لا ترصدها الرادارات، وأسلحة كیماویّة وربّما نوویّة بِدائیّة، وجیشًا عَرمرمًا من الانتحاریین العَقائدیین الذین یَتطلَّعون إلي الشَّهادة.
ـ ثانیًا: ربّما لا تَملُك إیران ما تملكه كوریا الشمالیّة من صواریخ بعیدة المَدي قادِرة للوصول إلي العُمق الأمریكی، ولكن ما لَدیها یكفی للوُصول إلي حُلفاء أمریكا وقواعِدها فی المِنطقة، ونحن نتحدَّث هُنا عن إسرائیل أوّلاً، والقواعِد الأمریكیّة فی دُوَل الخلیج (الفارسی) ثانِیًا.
ـ ثالثًا: التهدیدات الأمریكیّة الأُخري قد تَدفع إیران إلي تعزیز وجودها فی سوریة المُرشَّحة لكی تكون میدان المُواجَهات مع إسرائیل حتي لو اعترضت موسكو علي ذلك، وهی قادِرة فی هذهِ الحالة للوصول إلي حیفا وتل أبیب ویافا وعكا وصفد والقُدس المُحتلَّة.
ـ رابعًا: تَملُك إیران “قوات عَسكریّة” تُشكِّل جُیوشًا مُوازِیة، مِثل الحرس الثوری الإیرانی، و”حزب الله” فی لبنان، وأنصار الله فی الیمن، والحَشد الشعبی فی العِراق، و”حماس″ فی الأراضی المُحتلَّة، وهذهِ الأذرعة العسكریّة، مُجتَمِعة أو مُتفرِّقة، یُمكِن أن تتحوَّل إلي أذرُعٍ ضارِبة لزَعزعة أمن واستقرار إسرائیل ومُعظَم دُوَل الخلیج (الفارسی) التی سارَعت للتَّرحیب بالاستراتیجیّة الأمریكیّة الجَدیدة.
الورقة الأقوي سیاسیُّا التی تَملُكها إیران، إلي جانب أوراقها العسكریّة الأُخري، أنّها لیست الطَّرف البادِئ بالتصعید، ولم تنسحِب من الاتفاق النووی، وبات مُعظم دول العالم تنظر إلیها من مَنظور “الضحیّة” المُستَهدفة من قِبل الاستكبار والغِطرسة الأمریكیین، وهذا ما یُفَسِّر حالة القَلق الراهنة علي مُستًوي العالم، وأوروبا الحَلیف الأمریكی الأوثَق تحدیدًا.
الإدارة الأمریكیّة عاقِدة العَزم علي إعادة العُقوبات التی كانت تَفرِضها علي آیران قبل الاتِّفاق النووی، الأمر الذی سیُلحِق أضرارًا كّبري بمصالح حُلفائِها الأوروبیین فی ظِل التَّهدیدات بمَنع شركاتهم من دٌخول الأسواق الأمریكیّة آذا ما استمرَّت فی التعامل مع إیران، الأمر الذی سیَدفَع شَركاتٍ صینیّة وروسیّة إلي مَلئ أی فراغٍ یَنجُم عن انسحابِ هذهِ الشَّركات، وهذا ما یُفسِّر تصریحات السیدة فیدیریكا موغیرینی، وزیرة خارجیّة الاتِّحاد الأُوروبی، التی انتقدت فیها التَّهدیدات الأمریكیّة، وأكَّدت أنّه لا یُوجَد أی حل بَدیل للاتِّفاق النووی.
العُقوبات الاقتصادیّة الأمریكیّة المُتوقَّعة علي إیران، ومهما كانت شِدًّتها، لن تُطیح بالنِّظام الإیرانی، ومن المُستَبعد أن تدفع بالشَّعب الإیرانی، أو الأقلیّات العِرقیّة فی وسطه، للثَّورة لتَغییر النِّظام، لأنّ هذا الشَّعب استوعب دروس ثورات الربیع العربی المدعوم مُعظَمها من أمریكا وحلفائها، والدمار الذی حل بدول شعوب عربیّة من جَرائِها، مثلما تعلَّمت الحُكومة الإیرانیّة نفسها من تجارب لیبیا والعراق، وما حل بهما عندما وقعتا فی مِصیَدة الخِداع الغربیّة، وسلَّمتا أسلحتهما الكیماویّة، والقُبول بالتَّفتیش الدًّولی وشُروطِه المُهینة بالتَّالی.
ما یُؤلِمنا أنّ الدول الخلیجیّة الشقیقة التی تشهد طفرات مالیّة وعقاریّة، واستقرارًا أمنیًّا وسِیاسیًّا، ستكون أحد أبرز ضحایا هذهِ الاستراتیجیّة الأمریكیّة الجدیدة ضِد إیران، مالیًّا وعَسكریًّا، فالرئیس ترامب سیُطالِبها بتسدید فاتورة الحَرب التی بدأ یُرَدِّد مقولته بأنّها جاءت من أجل حِمایتها، مُضافًا إلي ذلك، وهذا هو الأهَم، أنّ الصَّواریخ الإیرانیّة ستَستهدِف مُدُنها والقَواعِد الأمریكیّة المُتواجِدة علي أرضِها كحَدٍّ أدني، أی أنّ تدمیر إیران لو حَدث، لن یتم بمَعزلٍ عن تَدمیر دول خلیجیّة تَقِف فی الخندق المُقابِل لها، ومن یقول غیر ذلك لا یَعرِف أمریكا، ویَجهَل بتاریخ الحَرب فی المِنطقَة والعالم.
أمریكا إذا حاربت إیران اقتصادیًّا أو عَسكریًّا فإنّها تفعل ذلك لیس من أجل حِمایة دول الخلیج (الفارسی)، وإنّما إسرائیل، ومَشروع هیمنتها علي المِنطقة، وإزالة أی مُنافِس لها، والرَّبط بین المَصالِح الأمنیّة الخلیجیّة والإسرائیلیّة، جاء لتَبریر توظیف الأموال والأراضی الخلیجیّة فی خِدمَة أی حَربٍ أمریكیّة تكون إسرائیل رأس حِربَتها، ولخُطَّة مَصالِحها.
إسرائیل هی التی وضعت شروط بومبیو الـ12 التی ترید فرضها علي إیران، وهی التی تُرید استخدام القُوّة العسكریّة الأمریكیّة العِملاقة لتحیید الخَطر الإیرانی المُفتَرض، مِثلما فعلت الشیء نفسه عندما ضخَّمت الخَطر العِراقی، ونجحت فی مُخطَّط تغییر النِّظام فی العراق عبر بوَّابة المُحافِظین الجُدد.
كوبا، وللتَّذكیر فقط، واجًهت الحِصار الأمریكی لأكثر من خمسین عامًا، ولم تركع ولم تنحنِ، ولم یتغیّر نِظامها رغم الضُّغوط الشَّدیدة، وقِطاع غزّة الذی لا تَزید مساحته عن 150 مِیلاً مُربَّعًا، واجَه الحِصار وثَلاث حُروب، ولم یُسلِّم سِلاح مُقاومته، فإذا كانت جزیرة صغیرة مثل كوبا بشَعبٍ صغیر، وتاریخٍ مُتواضِع، استطاعت الصُّمود والمُقاوَمة، وكذلك قِطاع غزَّة المُحاصَر المُجَوَّع، فكیف سیكون حال قُوَّة إقلیمیّة عُظمَي مثل إیران تَملُك إرثًا حَضاریًّا یمتَد لأكثر من ثَمانِیة آلاف عام؟
أمریكا تُوشِك علي ارتكابِ حماقةٍ سیاسیّةٍ وعَسكریّةٍ كُبري فی مِنطقتنا العربیّة، ولن تَكون مَضمونة النَّتائِج هذهِ المرَّة، ونَجزِم بأنّ إسرائیل وبعض الحُكومات الخلیجیّة قد تَدفَع ثَمَنَها غالِیًا من مالِها وأمْنِها واستقرارِها ورَخائِها.. والأیّام بَیْنَنَا.
رای الیوم: عبدالباری عطوان
انتهی**1110** 1837