بوتین یُبَشِّر الأسد بتَسلیمِه مَنظومات صواریخ “إس 300” فی غُضونِ أُسبوعَین

طهران/25ایلول/سبتمبر/ارنا- عقب اسقاط طائرة روسیة و مقتل 15ضابطا روسیا كان من المتوقع أن یرد فلادیمیر بوتین علی هذه الاهانة الاسرائیلیة ولكن السوال الذی كان یطرح نفسه هو كیف سیكون الرد الروسی؟.

عِندما تَنبأنا قَبل أربَعة أیّامٍ فی هَذهِ الصَّحیفة بأنّ الرئیس فلادیمیر بوتین سیَرُد علي الإهانةِ الإسرائیلیّة بالتَّسبُّب فی إسقاطِ إحدَي طائِراتِه ومَقتَل 15 ضابِطًا كانوا علي مَتنِها، والتی استهدفته شَخصیًّا، إلي جانِب بِلادِه، الدَّولة العُظمَي، إمّا مِن خِلال التَّهدید بإسقاطِ الطَّائِرات الإسرائیلیّة المُغیرة علي الأراضِی السوریّة بشَكلٍ مُباشِر، أو مِن خِلال تَزوید قُوّات الدِّفاع السُّوریّة بمَنظومَة صواریخ “إس 300” التی سَتقوم بهَذهِ المُهِمَّة، وأكّدنا أنّ سوریة سَتكون الرَّابِح الأكبَر فی هَذهِ الأزَمَة، شَكَّك الكَثیرون فی هذا الاستنتاج، وذَهَبَ البَعض إلي القَول بأنّ الرئیس الروسی لن یَرُد لأنّه “یَخاف” مِن نِتنیاهو، ویَحرِص علي العَلاقات القَویّة مع إسرائیل.
امس الإثنین اتَّصل الرئیس بوتین هاتِفیًّا بنَظیرِه السوریّ بشار الأسد، وأبلَغه بأنّ بلاده ستَقوم بتَسلیم قُوّات الدِّفاع الجَویّ السوریّة مَنظومات صَواریخ “إس 300” المُتَقَدِّمة المُضادّة للطَّائِرات فی غُضونِ أُسبوعَین.
الأخطَر من ذلِك أنّ الجِنرال سیرغی شویغو، وزیر الدِّفاع الروسیّ، أعلَن فی مُؤتَمرٍ صِحافیّ عقده امس أنّ هَذهِ الصَّواریخ المُتطوِّرة جدًّا ستتمكّن من اعتراضِ الأهداف الجویّة وإسقاطها علي مَسافةٍ تتجاوز 250 كیلومترًا، أی فی الأجواء اللبنانیّة التی استخدَمتها الطائرات الإسرائیلیّة أكثَرَ مِن مَرّة فی الإغارةِ علي أهدافٍ سُوریّة وإیرانیّة فی العُمُق السوریّ.
الجِنرال شویغو أكَّد أیضًا أنّ بِلاده ستُجَهِّز المَراكِز القِیادیّة لقُوّات الدِّفاع الجویّة السوریّة بنِظامٍ آلیّ للتَّحكُّم لا یُوجَد حَصریًّا إلا لدَي الجیش الروسیّ، ممّا سیَضمن للإدارةِ المركزیّة لجَمیع الدِّفاعات الجَویّة السوریّة تحدید جمیع الطَّائِرات الروسیّة فی الأجواء، مُضیفًا، وهذا هو الأهَم، أنّ روسیا ستُشَوِّش علي اتِّصالات أیّ طائِرةٍ تُحاوِل ضرب سوریة مِن فَوق البَحر المُتوسِّط.
الرئیس بوتین لم یَقبَل الاعتذار من بِنیامین نِتنیاهو عَن الدَّور الإسرائیلیّ فی إسقاطِ الطائرة “إیل 20″، ورَفَضَ تَقَبُّل التَّعازی مِنه فی مَقتَل 15 ضابِطًا “استخباریًّا” كانوا علي مَتنِها، وأقدَم علي ردٍّ حاسِمٍ وحازِمٍ “عَملیًّا” علي هَذهِ الغَطرسة الإسرائیلیّة والتَّعاطِی بطَریقةٍ استهتاریّةٍ مع دَولة روسیا العُظمَي وتَعریضِ أرواحِ ضُبّاطِها وجُنودِها للخَطَر، بتَسلیمِ هَذهِ الصَّواریخ التی سَتُنهِی العَربَدة الإسرائیلیّة فی الأجواءِ السوریّة واللبنانیّة مَعًا، وهذا تَطوُّرٌ مُفاجِئٌ لم یَتوقّعه أحد.
مِن اطَّلع علي نَصِّ التَّسریبات الروسیّة “المُتَعمَّدة” لمَحضَر اجتماع قائِد سِلاح الجو الروسیّ مع نَظیرِه الإسرائیلیّ الزَّائِر الذی قَیل أنّه حمَل نتائِج التَّحقیقات التی تُبَرِّيء طَیرانه مِن إسقاط الطائرة الروسیّة یَشعُر بحَجم الغَضَب والألَم الرُّوسیّین مِن جَرّاء الجُرح الإسرائیلیّ المادیّ والمَعنویّ مَعًا، فالاجتماع لم یَستغْرِق إلا 21 دقیقة، وكانَ صاخِبًا احتوي الكَثیر مِن التَّلاسُن، وغادَر الجِنرال الروسیّ القاعة دُونَ أن یُوَدِّع الإسرائیلیین مُهَدِّدًا بأنّ أیَّ طائِرةً تَقتَرِب مِن السَّاحِل السوریّ سیَتِم إسقاطها فَوْرًا، وأرسَل 12 طائِرَة سوخوی و”إف 35″ إلي هَذهِ السَّواحِل تَحَدِّیًا لإسرائیل، وذَهَبت الطَّائِرات فِعلاً إلي وِجهَتِها ولم تَعتَرِضها أی طائِرة إسرائیلیّة، مِثلَما كَشَفَت المَصادِر الروسیّة خَوْفًا وَرُعْبًا.
الرئیس بوتین “جامَلَ” الإسرائیلیین كثیرًا، وتَجاوَب مع طَلبِهِم بعَدَم تسلیم القِیادَة السوریّة صواریخ “إس 300” لأنّها تُشَكِّل تَهدیدًا لأمن إسرائیل علي حَدِّ وصْفِهِم، رُغمَ أنّ الصَّفقة جَري توقیعها مِن الجانِبَین الروسیّ والسوریّ، وتَدَرَّب الضُبّاط السُّوریّون علي كیفیّةِ إطلاقِها، ودَفَعَت الحُكومة السوریّة “العَربون” قبل خمس سنوات، وأكَّدَ هَذهِ المَعلومات الجِنرال شویغو نفسه.
إفیغدور لیبرمان، وزیر الحرب الإسرائیلیّ، الذی لم نَسْمَع لَهُ صَوْتًا طِوال الأیّام الثَّلاثةِ الماضِیة، هَدَّد قبل سنوات بأنّ الطَّائِرات الإسرائیلیّة سَتُدَمِّر أی مَنظومات صَواریخ مِن طِراز “إس 300” تُسَلَّم للجیش السوریّ وتتَصَدَّي للطائرات الإسرائیلیّة، فهَل ما زالَ عِند وَعدِه، وهَل سیُرسِل الطَّائِرات لتَدمیرِ هَذهِ المَنظومات بعد تَسلیمِها لسوریة بَعدَ أُسبوعَین مِثلَما تَعَهَّد الرئیس بوتین نَفسُه؟
لا نَعتقِد أنّ لیبرمان، ولا رئیسه نتنیاهو، قادِرَان علي الدُّخول فی مُواجهةٍ مع روسیا، والزَّمَن الذی كانَت تَخترِق فیه الطَّائرات الإسرائیلیّة الأجواءَ السُّوریّة وتَضْرِب أهدافًا فی العُمُق السوریّ، وتَعود سالِمَةً قَد وَلَّي، أو هكذا نَعتقِد، فالرئیس الروسی لا یَكْذِب، ویَقول ویَفْعَل، وطَفَحَ كیله مِن الكَذِب وأسالیب الخِداع والغَطرسة الإسرائیلیّة، وأن تأتِی هَذهِ القَناعة مُتأخِّرَةً خَیْرًا مِن أن لا تَأتِی أبَدًا.
إسرائیل تَعیشُ حالةً مِن القَلَق عالِیَة المَنسوب، وتَلقَّت قِیادَتها صَفعَةً قَویّةً أعماها الغُرور عَن تَوقّعها وحَجْمِها، ومَصدَرِها، تُضاف إلي حَالاتِ قَلقٍ أُخرَي من صواریخ “حزب الله” وإیران وسوریة، ولا نَنْسَي “حماس” فی قِطاع غزّة، ولا نَستغرِب أن یكون حُلفاؤها العَرب یُشارِكونَها قَلَقًا مُزدَوَجًا، الأوّل علي وَضْعِها المُؤسِف، والثَّانی انعكاساتِه السلبیّة علي مَشروعِهم فی سوریة الهادِف إلي التَّفكیكِ وإسقاطِ النِّظام الذی تَلقَّي ضَرْبَةً قَویَّةً.
القِیادة السوریّة التی كَظَمَت الغَیْظ “مُكْرَهةً” طِوال السَّنوات السَّبع الماضِیة، وتَحَمَّلت “آلام” العَلاقة الروسیّة الإسرائیلیّة ودَورِها فی حِرمانِها مِن صواریخٍ دِفاعیّةٍ جویّةٍ “إس 300” تَحْمِی أجواءها مِن الغارات الإسرائیلیّة، ربّما خَرَجَت “فائِزَةً” مِن هَذهِ الأزَمَة التی جاءَتها علي طَبَقٍ مِن ذَهَب، دُونَ أن تَسعَي إلیها.
ما یَنْطَبِق علي القِیادة السوریّة قَد یَنطبِق أیضًا علي حلیفَتها الإیرانیّة، كُلیًّا أو جُزئیًا، بشَكلٍ مُؤقَّتٍ أو بصُورةٍ دائِمةً، فالتَّحالُف الإیرانیّ الروسیّ یَقْوي ویتَعَزَّز ویَقتَرِب من تَطابقٍ استراتیجیٍّ فی أكثَرِ من مَوقِع، وتَجَلَّي ذَلِك فی قِمّة طِهران الثُّلاثیّة الأخیرة التی تَصدَّرها بحث مُستَقبل إدلب، حیثُ كان الرَّئیسان بوتین وروحانی فی خندق، والرئیس التركی رجب طیّب أردوغان فی خَنْدَقٍ آخَر.
لا نَستبعِد أن یتم تطویق هَذهِ الأزَمة الروسیّة الإسرائیلیّة بعد فَترةٍ، تَطول وتَقْصُر، فإذا كانَت دُوَلًا مِن العَرب العارِبَة والمُستَعربة مَعًا باتَت تتمسَّح بأعتابِ نِتنیاهو وتتبرَّك به كحَلیفٍ قَویٍّ، فَمِن الغَباء أن نَري روسیا تَحشِد الدَّبّابات والطَّائِرات لتَحریرِ فِلسطین، فروسیا دَولةٌ عُظمَي لها مَصالِح، المُشكَلة تَكمُن فینا كعَرب، الذین ضاعَت بَوْصَلَة مَصالِحنا.
أی مُصالحة روسیّة إسرائیلیّة سَتكون غالِیَة الثَّمن بالنِّسبةِ لتَل أبیب، وأمامنا الدَّرس التُّركیّ بكُل تفاصیله، فإسقاط الطَّائِرات الروسیّة لیسَ مُهِمَّةً سَهْلةً مأمون العَواقِب، یُمكِن تطویقها بتَبویسِ اللِّحي واعتذارٍ “شَكْلِیٍّ”، فروسیا یَحكُمها الیوم رئیس مُختلِف خریج الـ”كی جی بی” یُرید إعادَة عَظَمتها، والثَّأر لإسقاط وتَفكیك الاتِّحاد السوفییتیّ، ولا یُمكِن أن یتغافَل طَویلًا عَن حَقیقَةٍ مَفادُها أنّ إسرائیل هِیَ الحَلیف الأوثَق لأمریكا وشَریكة فی كُل حُروبِها ومُؤامَراتِها.
نَسْتَشعِر عَن بُعد تَنَهُّدات الارتیاح فی دِمَشق، مِثلَما نَسْتَشعِر أصوات الألَم والنَّدَم فی تَل أبیب.. واللهُ جلَّ وعَلا “یُمْهِل ولا یُهْمِل”.. والأیّام بَیْنَنَا.
رای الیوم : عبد الباری عطوان
انتهی**1110 ** 1837