لماذا تمنَّينا لو ألغي الرئيس عون استضافة بلاده للقِمّة الاقتصاديّة؟

طهران / 21 كانون الثاني/ يناير/ ارنا - ما كُنّا سنَكتُب عن القمّة الاقتصاديّة التي اختتمت أعمالها في بيروت امس الاحد، لولا أنّ أربَع طائرات إسرائيليّة من طِراز “إف 16” شنَّت عُدوانًا علي سورية، وأطلَقت صواريخها في مُحاولةٍ لضَرب أهداف جنوب العاصمة دِمشق، وقامت الدفاعات الأرضيّة السوريّة بإسقاط أربعة منها، لأنّ هذه القمّة لم تَكُن محور اهتِمام الشارع العربي مُطلقًا، ولأنّها جاءت الأسْوَأ في تاريخ القِمَم العربيّة.

لا نَستبعِد أن تكون هذه الصواريخ الإسرائيليّة مرَّت من فوق رؤوس المُشاركين في هذه القمّة التي لم تُشارِك فيها سورية، وكان مقعدها خاليًا، مثلما هو حال كُل القِمم العربيّة، سياسيّة كانت أو اقتصاديّة، التي انعقدت طِوال السنوات الثَّماني الماضية.
شرفٌ كبيرٌ لسورية وشعبها وقيادتها وجيشها أن تكون مُستَهدفة بالإرهاب الإسرائيليّ وتواطؤ بعض العرب معه، فالذين تقصفهم الطائرات والصواريخ الإسرائيليّة هذه الأيّام هُم الذين يَقبِضون علي الجَمر، ويَقِفون في خندق الكرامة ويتَمسَّكون بالثَّوابت العربيّة، في زمنٍ تخلَّي الكثيرون عنها ووقفوا في خندق أعداء الأُمّة.
قد تكون سورية التي غابت عن القمّة العربيّة الاقتصاديّة التي عكست حال الهَوان العربيّ في أبشع صوره، في ظِل غِياب مُعظَم المُلوك والرؤساء والأُمراء عنها، ولكنّها لم تَغِب عن العناوين الرئيسيّة لتَصدّيها لهذا العُدوان، وإطلاق صاروخ علي هضبة الجولان المُحتلَّة كرَدٍّ عليه، ربّما يتطوَّر إلي زخّاتٍ مِن الصواريخ في المُستقبَل القريب، أو هكذا نأمَل.
مِن مُفارقات هذه القمّة دعوتها في بيانها الختاميّ إلي عودة اللاجئين السوريين إلي بلادهم، وتخفيف مُعاناة هؤلاء من خلال تقديم الصناديق العربيّة مَعوناتٍ لهم، ولكن المُشاركين فيها لم يقولوا إلي أين سيعود هؤلاء وكيف؟ إلي بُيوتِهم المُدمَّرة مُعظَمها بأموالِ دول عربيّة؟ وهل ينْصِبون خيمهم فوق رُكامِها؟.
جميع المُشاركين في هذه القمّة أغلقوا حُدودهم في وجه اللَّاجئين والنَّازحين السوريين الذين يتَباكون عليهم، ويُطالبون بتخفيف مُعاناتِهم، باستثناء الدول الفقيرة المُعدَمة ماليًّا والغارِقَة في الديون مِثل لبنان والأردن وبدَرجةٍ أقل السودان، أمُا الدول النفطيّة الثريّة التي تزدحم صناديقها السياديّة بمِئات المَليارات فلم تُقدِّم إلا أسلحة الدَّمار تنفيذًا لأوامِر أمريكيّة مُباشرة، وإسرائيليّة غير مُباشرة.
ما نستغربه من هذه القمّة، والجامعة العربيّة التي دعت إلي عقدها في لبنان، هو الأحاديث والتَّصريحات التي ركّزت علي عودة سورية إلي الجامعة، والعمل العربيّ المُشتَرك بالتّالي، فأين هو هذا العمل العربيّ المُشتَرك، وأين هي هذه الجامعة، بَل وأين الزعماء العرب؟.
العمل العربيّ المُشتَرك بات حِكرًا علي “النِّاتو العربي”، وخدمة المُخطَّطات الأمريكيّة والإسرائيليّة ضِد محور المُقاومة فقط، وكُل من يَقِف في وجه المشروع الاستيطاني العُدوانيّ الإسرائيليّ، ثم متي طالبت سورية بالعودة إلي الجامعة العربيّة، ونتحدَّي أن يُقدِّم لنا أيّ مسؤول في هذه الجامعة وثيقة أو تصريحًا يُوحِي يُؤكِّد هذا الطلب.
كُنّا نتمنّي لو أنّ الرئيس اللبناني ميشال عون قد سحب استضافة بلاده لهذه القمّة عندما أدرك هَزالة التمثيل فيها، وتغيّب مُعظَم الزعماء العرب، تمامًا مثلما فعل الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي قبل أكثر من عشر سنوات مُلقِّنًا المُقاطعين درسًا في ضرورة احترام الحد الأدني من معايير مُؤسّسة القِمَم العربيّة، لأنّ هذا الغِياب لا يليق ببلاده، ويُشَكِّل إهانةً لها، وهي الديمقراطيّة الحقيقيّة في المنطقة، وكانت دائمًا منارةً سياسيّةً وثقافيّةً للعرب جميعًا، ولكنّه لم يفعل للأسف تأدُّبًا وكظْمًا للغَيْظ.
سورية تتعرَّض لاستهدافٍ إسرائيليٍّ أمريكيٍّ بتَواطُؤ عربيّ لأنّها تجاوزت المُؤامرة، واستَعاد جيشها العربي مُعظَم أراضيها التي كانت خارجة عن سيطرة الدولة، وإن تشكّل في القريب العاجل جامعتها العربيّة الجديدة، ونتمنَّي أن تجعل من أبرز شروط العضويّة فيها التمسك بالثوابت العربيّة، وأدبيّات وقيم محور المُقاومة، وتوجيه البُوصلة نحو فِلسطين والقُدس المُحتلَّة.. مرَّةً أُخرَي نقول يرونها بعيدةً ونراها قريبةً.. والأيّام بيننا.
راي اليوم : عبد الباري عطوان
انتهي ** 1837