لماذا لا نختلف مع الوزير ظريف بأنّ تشكيل الحُكومة اللبنانيّة إنجازٌ كبيرٌ

طهران/12 شباط/فبراير/ارنا-عادت دِماء الحياة مُجدّدًا إلي الشرايين السياسيّة اللبنانيّة المُتصلّبة بعد انتهاء الأزمة الحكوميّة والاتفاق علي توزيع الحقائب الوزاريّة بين الكتل السياسيّة المُتنافسة بطريقة سلميّة عبر الحوار، مما يؤكد مجددًا علي “الخُصوصيّة” اللبنانيّة “التعايشيّة” في مُحيط عربي ملتهب، ولهذا لم يكن مفاجئًا أن يصف السيد محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني، أول زائر كبير للبنان، هذا التّشكيل الحكوميّ بأنّه “إنجاز وطني كبير”.

تحيّة لبنان للزائر الإيرانيّ كانت لافتةً في أهميّتها ومعانيها السياسيّة في هذا التّوقيت الحسّاس، ونحن نتحدّث هُنا عن القرار اللبنانيّ الوطنيّ الشّجاع بمُقاطعة قمّة وارسو الأمريكيّة “للسّلام والأمن في منطقة الشرق الأوسط”، الذي يبدأ أعماله (الأربعاء)، لأنّ هذا المُؤتمر سيكون مُكرّسًا لتكوين تحالف سياسيّ وعسكريّ ضد إيران أوّلًا، واعتِماد “صفقة القرن” التي تَهدِف إلي تصفية القضيّة الفلسطينيّة وتكريس التّطبيع العربيّ الإسرائيليّ، وسيكون “نجمه” بنيامين نِتنياهو وتلميذه النّجيب جاريد كوشنر صِهر ترامب.
السيد جبران باسيل، وزير الخارجيّة اللبناني، كان واضحًا في مؤتمره الصحافي الذي عقده مع نظيره الإيراني الزائر امس، عندما قال صراحةً أنّ لبنان لن يُشارك في هذا المؤتمر الذي ستَحضره دولة الاحتلال الإسرائيلي، وتكريسًا لسياسة النّأي بالنفس عن سياسة المَحاور وأزمات المنطقة.
هذا الموقف اللبناني المُشرّف يجب أن يَلقي التّجاوب من قبل الدولة الإيرانيّة من حيثُ تلبية طلب الرئيس ميشال عون في المُساعدة لتسهيل عودة النّازحين السوريّين في لبنان الذي يَزيد عددهم عن مِليون ونِصف المليون نازِح.
الضّيف الإيرانيّ، وحسب ما جاء علي لسان الوزير باسيل، أكّد دعم إيران للعودة الآمنة والسريعة للنازحين السوريين إلي بلادهم، ولكنّه لم يُعطِ أيّ تفاصيل في هذا الإطار، خاصَّةً تُجاه المَطلبين اللبنانيين الأساسيّين: الأوّل، ضمانات سوريّة حول حُقوق الملكيّة للنّازحين، والثّاني، الخدمة العسكريّة التي تنتظرهم.
لا نُجادل مطلقًا في هذه الصحيفة “رأي اليوم” في صحّة ما قاله الرئيس عون من أن هذه المسألة (النازحين السوريين) تُشكّل ضغوطًا علي الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة في لبنان الذي يُواجه ظُروفًا اقتصاديّةً صعبةً (الدين اللبناني العام تجاوز مئة مليار دولار)، ولا نعتقد أن الحُكومة السوريّة التي بدأت تتعافي بشكلٍ مُتسارعٍ من ذيول مؤامرة التدخل الخارجي، ستُقصّر في فهم هذا القلق اللبناني المشروع، والتّعاطي معه بإيجابيّة.
عندما جادلنا أحد المسؤولين اللبنانيين الكبار بأنّ الأوضاع السوريّة الأمنيّة والاقتصاديّة لم تستقر بالقدر الكافي بعد، حتي تستوعب الحُكومة ملايين النازحين من لبنان والأردن وربّما تركيا أيضًا، قال إنّه يتفهّم هذه “المُرافعة”، ويدرك جيّدًا أن التّعافي السوري لم يكتمل مئة في المئة، ولكن هُناك مناطق مُستقرّة في سورية، وربّما أكثر استقرارًا من لبنان، فلماذا لا تُشجُع الحكومة السوريّة عودة هؤلاء إليها؟
النازحون السوريون في لبنان والأردن، بدأوا يعودون إلي مناطق سوريّة آمنة، ولكن ليس بالعدد والسرعة المطلوبة، وربّما يعود ذلك إلي ضخامة حجم الدمار، وعدم وجود الوظائف والخدمات العامّة الكافية، من ماء وكهرباء وطبابة ومواصلات وتعليم، وهذا الوضع سيتغيّر حتمًا مع بِدء عمليّة إعادة الاعمار، واستعادة ما تبقّي من أراضي سوريّة ما زالت خارج مظلّة سيادة الدّولة، مِثل إدلب وشمال سورية وشرق الفُرات.
السيّد باسيل وزير الخارجيّة اللبناني في عجلةٍ من أمره، ولا يُريد أن يربط بين عودة النازحين والحل السياسي للأزمة السوريّة، ويتعرّض لضُغوط مكثّفة من بعض الكتل السياسيّة ذات الطابع اليمينيّ المُتشدّد التي لا تكن أي ود لسورية ومواطنيها، داخل سورية أو في دول اللجوء، ومن منطلقات عنصريّة في مُعظم الأحيان، وبالتّالي يرفض كثيرون مقولتنا التي نكررها دائمًا التي تؤكد أن سورية شعبًا وحكومةً فتحوا أبوابهم وقُلوبهم لأكثر من 250 ألف نازح لبناني لجأوا إلي ارض الشام أثناء العُدوان الإسرائيليّ عام 2006، ولم تقم الحُكومة السوريّة مُعسكرًا واحدًا لإيوائهم، وسكّنتهم في بيوت أسر سوريّة في واحدة من أروع صور الضّيافة والكرم، وقيم العُروبة والدّم الواحد.
سورية المُستقبل، سورية الإعمار والاستقرار، ستكون حتمًا مختلفةً، ومفتوحةً للبنانيين من مُختلف الطّوائف والأعراق، وسيكون النّزوح اللبناني باتّجاه دِمشق كثيفًا من اتّجاه واحد في السنوات المُقبلة، وستَصدُق نبوءة الدكتور بشار الجعفري، مندوب سورية في الأُمم المتحدة في هذا الإطار التي أطلقها ردًّا علي بعض المُضايقات الرسميّة والشعبيّة التي واجهها بعض النّازحين السوريّين في لبنان.
الحُكومة اللبنانيّة تضُم وللمرّة الأُولي وزيرًا مُكلّفًا بمُتابعة ملف النازحين السوريين وعودتهم، وهذه خُطوة تعكس أهميّة هذا الملف، وسُؤالنا هو عن أسباب عدم ذهاب هذا الوزير إلي دِمشق وفتح قنوات الحوار مع السّلطات السوريّة وشرح وجهة النّظر اللبنانيّة؟
خِتامًا لا يسعنا في هذه العُجالة إلا الانحناء تقديرًا واحترامًا للحُكومة اللبنانيّة والرئيس ميشال عون بالذّات، علي وقفته الشّجاعة في مُقاطعة “مسجد الضرار” في وارسو الذي أقامته أمريكا تمهيدًا للعُدوان علي إيران، وتصفية القضية الفلسطينيّة، ورفض الجُلوس مع الإسرائيليين تحت سقفه، هذا هو لبنان الوطنيّ العربيّ الشّريف الذي نعرفه ونُقدّره ونحترمه ونُحبّه.
“رأي اليوم”
انتهي** 1453** 2344