الحروب تخاض في ميادينها وليس علي صفحات التواصل الاجتماعي

طهران/ 21 ايار/مايو/ارنا-لم يعُد أحد في منطقة الشرق الأوسط والعالم يأخذ تهديدات ترامب “التويتريّة” علي محمل الجد، لأنّه ليس “رجل حرب” وإنّما سمسار صفقات تجاريّة، وهذا التّوصيف ينطبق علي آخِر تغريداته التي أطلقها أمس وحذّر فيها إيران “من خوض حربٍ لأنّها ستكون النّهاية الرسميّة لها”، فالحُروب تُخاض في ميادينها وليس علي صفَحات وسائل التواصل الاجتماعي، وبطريقةٍ استعراضيّةٍ مكشوفة.

و في مقال له اكد رئيس تحرير صحيفة 'راي اليوم' عبد الباري عطوان من قال إنّ إيران تُريد الحرب؟ إيران تُريد تصدير نفطها إلي الأسواق العالميّة عبر مضيق هرمز، وهِي تفعل ذلك بكُل يُسرٍ حاليًّا، ولم تقُم بإرسال حاملات الطائرات، أو القاذفات العملاقة بـ 52 إلي منطقة الخليج الفارسي التي هي عُضو أصيل فيها، في استعراضٍ مكشوفٍ للقُوّة لم يُعطِ ثماره، ومن فعل ذلك الرئيس ترامب، ومُني بالفشل، والأخطر من ذلك أنّ حُشوداته هذه أعطت نتائج عكسيّة، من حيث توحيد الشعب الإيراني حول قيادته، وخُسرانه، أيّ ترامب، مُعظم حُلفائه الأوروبيين الذين لم يتحمّسوا مُطلقًا للانضمام إلي أيّ تحالف لخوض الحرب التي يُريدها ضِد إيران علي غِرار الحُروب الأمريكيّة في العِراق وأفغانستان، وأخيرًا ضِد “داعش”.
ترامب لا يُريد الحرب فعلًا، لأنّه بات يُدرك أنّ نتائجها ستكون مُكلفةً جدًّا بشريًّا وماديًّا له ودولته، فإذا كان حُلفاؤه في منطقة 'الخليج الفارسي' يُمكن أن يغطّوا التّكاليف الماليّة، فإنّ التّكاليف البشريّة، ونقصد هُنا الجُنود الأمريكان، سواء علي ظهر السّفن وحامِلات الطائرات، أو في القواعد العسكريّة في العِراق وسورية وقطر (العيديد)، والإمارات (قُرب الفُجيرة علي خليج عُمان)، أو في المنامة (قاعدة الأسطول الخامس البحريّة)، أو تطويق نتائج عودتهم في الحقائب البلاستيكيّة السّوداء إلي الوطن الأم.
***
نعم.. ترامب خسِر الجولة الأولي التمهيديُة من هذه الحرب، عندما تعرّض وحُلفاؤه إلي ثلاث استِفزازات مُهينة، ولم يجرؤ علي الرّد علي أيٍّ منها:
الأولي: عندما أغارت طائرات يمنيّة حوثيّة مُسيّرة ومُلغّمة علي ثلاث مضخّات للنّفط تابعة لخط أنابيب شرق غرب السعوديّة العِملاق، واشتعلت النّيران فيها، وهدّد محمد علي الحوثي، رئيس اللجنة الثوريّة، بأنّ هُناك 300 هدف أخر، إماراتيّة ويمنيّة وسعوديّة ضِمن بُنوك الأهداف علي رادارات حركته يُمكن ضربها في أيّ لحظة آذا لم تتوقّف حرب التّحالف علي بلاده.
الثّانية: الهُجوم “الغامض” علي أربع ناقِلات نفط قُبالة سواحل الفُجيرة وإعطابها جميعًا، وحتّي هذه اللّحظة لم تنتهِ التّحقيقات لمعرفة الجِهة التي تقف خلفها رغم مُرور أكثر من أسبوع، ويبدو أنّها لن تنتهي.
الثّالثة: إطلاق صاروخ علي السّفارة الأمريكيّة في المِنطقة الخضراء في العاصمة العِراقيّة، وهي منطقة من المُفترض أن تكون الأكثر أمانًا في العالم، ومحميّة أمريكيّة مُعزّزة بقُدرات دفاعيّة مُتقدّمة جدًّا.
القاسم المُشترك لهذه الهجمات الثّلاث أنّها كانت بالونات اختبار لقِياس جديّة النّوايا الأمريكيّة لشن حرب، يبدو أنّ الإدارة الأمريكيّة سقطت في هذا الاختِبار حتّي كتابة هذه السّطور بعدم تنفيذ تهديداتها بالرّد، وحماية حُلفائها ومصالحها، وسواء برد محدود مِثلما تنبّأ الجنرال أبو زيد، سفير أمريكا في الرياض، أو مُوسّع مثلما لوّح جون بولتون.
المُعادلة الجديّة كما لخّصها لي صديق علي درايةٍ كبيرةٍ بطريقة تفكير محور المُقاومة، والضّلع الإيرانيّ منه علي وجه الخُصوص، تقول إنّها “مُنازلة” بين جالوت العِملاق وداوود الصّغير، حيث نجَح الأخير بشجّ رأس العِملاق والقضاء عليه بحجرٍ صغيرٍ وقاتلٍ، فانتِصار غُرور القوّة ليس مضمونًا دائمًا.
ثلاثة أحجار وجُهها داوود الإيراني أدمت رأس حُلفاء جالوت، ودفعته إلي البحث عن مخرجٍ آمنٍ من خِلال بوّابة المُفاوضات، وربّما هذا ما يُفسّر وصول السيد يوسف بن علوي، وزير الخارجيّة العُماني إلي طِهران اليوم، كأحد الوسطاء المُرشّحين الذين تزدحم بهم وطائِراتهم أجواء المِنطقة هذه الأيّام.
إيران لن تختفي عن الخريطة “رسميًّا” مثلَما هدّد ترامب، فهل اختفي العِراق منها عندما هدّده بوش الأب والابن بالمصير نفسه؟ وهل اختفت أفغانستان من الخريطة بعد الغزو الأمريكيّ عام 2001؟ وهل اختفت سورية بعد ثماني سنوات من عُمر مُؤامرة اشترك في تنفيذها 65 دولة بقيادة الولايات المتحدة وبُنوك مركزيّة عِملاقة طافَحة بمِئات المِليارات من الدولارات؟ وهل اختفت اليابان رغم قصفِها بقُنبلتين نوويتين؟ أو المانيا التي اجتاحتها قوّات الحُلفاء؟
ما لا يُدركه ترامب أنّ إيران وحُلفاءها استعدّت لهذه الحرب مُنذ اليوم الأوّل الذي غزت فيه بلاده جارها العراقيّ واحتلّته عام 2003، واستِعداداتها تمثّلت في تطوير ترسانة أسلحة مُتقدّمة ذاتيّة الصّنع في مُختلف القِطاعات، وتزويد حُلفائها بمنظومةٍ صاروخيّةٍ جبّارةٍ سواء في اليمن، أو لبنان، أو العِراق، أو قِطاع غزّة، ولا نكشف سرًّا عندما نقول إنّ “حزب الله” حصل علي صواريخ بحريّة أسرع من الصّوت، تتواضع أمامها صواريخ “لاخونت” السوريّة التي دمّرت البارجة الإسرائيليّة أمام سواحل بيروت عام 2006، وسيكون هدفًا لهذه الصّواريخ الجديدة منصّات النّفط والغاز الإسرائيليّة في البحر المتوسط في أيّ حربٍ قادمة، مُضافًا إلي ذلك أنّ هُناك جبلين في جنوب لبنان يطلّان علي ميناء حيفا مُباشرةً ويُمكن تعطيله بإلقاء الصّخور والحجارة، ناهيك عن الصّواريخ.
دعوة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز لعقد ثلاث قمم إسلاميّة وعربيّة وخليجيّة في الأيّام الثلاثة الأخيرة من شهر رمضان في مكّة المكرّمة، تعني أنّ الحرب لن تقوم قبل هذا التّاريخ أوّلًا، وأنّ المملكة العربيّة السعوديّة والإمارات باتتا تدركان جدّيًّا أنّهما بحاجة إلي حُلفاء وتغطية عربيّة وإسلاميّة وخليجيّة، بعد أن تناقصت هذه التّغطية إلي حُدودها الدّنيا لأسبابٍ عديدةٍ أبرزها وضع البيض كلّه في سلّة ترامب “المخروقة” والابتزازيّة، وتجاهُل ذوي القُربَي واستعدائهم، والتّرفّع عليهم.
مرّةً أُخري نُؤكّد أنّ المحور الإيرانيّ كسِب الجولات التمهيديّة من هذه الحرب، وبات من المُستبعَد أن يتم الانتقال إلي الجولات النّهائيّة في الوقت الرّاهن علي الأقل للأسباب التي ذكرناها آنِفًا، فمن يُريد الحرب لا يخوضها علي “التّويتر” والقصف “التّغريدي”… واللُه أعلم.
المصدر: راي اليوم
انتهي** 1453**1110