ظريف: الإدارة الأميركية أثبتت للجميع أنّها لا تحترم المبادئ والقوانين الدولية والقانونية

طهران / 7 كانون الثاني / يناير / ارنا – قال وزير الخارجية محمد جواد ظريف في كلمة القاها ب"منتدي حوار طهران" الذي أقيم اليوم الثلاثاء في مركز الدراسات السياسية والدولية بوزارة الخارجية بمشاركة وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي والرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي ونائب وزير الخارجية للشؤون السياسية عباس عراقجي و العديد من الشخصيات السياسية الإيرانية والأجنبيةقال: إن الإدارة الأمريكية قد أثبتت للجميع أنّها لا تلتزم ولا تحترم المبادئ والقوانين الدولية والقانونية وأنواع الحصانات المعروفة.

و  فيما يلي النص الكامل لكلمة ظريف في هذا المنتدي .

بسم الله الرحمن الرحیم

السلام علیکم و رحمه الله

اعوذ بالله من الشیطان الرجیم

من المؤمنین رجال صدقوا، ما عاهدواالله علیه فمنهم من قضی نحبه و منهم من ینتظر

و ما بدلوا تبدیلا

صدق الله العلی العظیم

معالي السيد بن علوي، فخامة السيد كرزاي،

أصحاب السعادة والسفراء المقيمين،

الضيوف الكرام،

السادة والسيدات،

بداية أودّ أن أرحب بحضوركم في طهران وفي هذا المبنى الّذي سيسمّى باسم الشهيد العظيم الفريق قاسم سليماني من اليوم فصاعداً. كما أتقدّم بجزيل الشكر للقائمين على "منتدى حوار طهران" والمشاركين الّذين اجتموا في أخطر ظروف لمنطقتنا من أجل تلاقح الأفكار للخروج من الباراديم الخطير المكوّن من العدوان، والتطرّف والعنف، فأودّ أن أتبادل معكم المفكرين والمسالمين عدة نقاط.

أنا اليوم ألتقي بكم في حين أنّني فقدتُ صديقي الشجاع والحصيف والمفكّر والمثالي الفريق الشهيد قاسم سليماني العزيز بفعل الأيدي الجانية الأمريكية والإرهاب الحكومي للولايات المتحدة، فهذا الرجل العظيم الّذي اجتهد طوال عمره لنعيش نحن في عالم أفضل وأكثر أمناً، التحق اليوم بالملكوت الأعلى بأيدي أشقى البشر، والشعب الإيراني وجميع الداعين إلى الاستقلال والمكافحين للاستعمار في المنطقة مفجعون بهذا المصاب الجلل. لقد روّجت الولايات المتحدة باغتيال أحد المسؤولين العسكرين الكبار الإيرانيين، أساليب جديدة تطالها في مستقبل قريب أم بعيد في أرجاء المعمورة.

وقد أثبتت الإدارة الأمريكية للجميع مرة أخرى أنّها لا تلتزم ولا تحترم المبادئ والقوانين الدولية والقانونية وأنواع الحصانات المعروفة، وهذا هو التوجه الذهاني والمنتهك للحقوق الدولية الّذي يهدّد وبكلّ وقاحة، بالهجوم على التراث الثقافي الإيراني الّذي يُعتبر التراث المشترك للحضارة والثقافة البشريتين.

إنّ الشهيد الفريق قاسم سليماني كان "صدى" لاستقلال منطقة قد عانت منذ عقود من الظروف المستعصية الناجمة عن تراكم المشاكل والمعضلات العويصة الّتي تكوّنت بفعل الشهوات اللامتناهية لأسياد القوة المال الدوليين وحلفائهم الجاهلين المنتهزين في المنطقة. وما حدث في الساعات الأولى لفجر الجمعة 13 دي (3 يناير)، لم يكن هجوماً على السيادة الوطنية العراقية واغتيالاً همجياً وجباناً للفريق الإيراني العظيم فحسب، بل كان استهدافاً لاحدى ركائز "توفير الأمن" في هذه الرقعة الجغرافية الّتي تعاني من المؤامرات المختلفة بما فيها القاعدة وداعش وجبهة النصرة، وهي عصابات خلقتها الإدارة الأمريكية وأذيالها في المنطقة وتعتبر هذه العصابات أمراء مثل قاسم سليماني، من ألدّ أعدائها.

فلا عجب أن يرتكب الرئيس الأمريكي الوقيح والفظ هذا الخطأ الإستراتيجي الناجم عن حماقته وغطرسته وأن يقوم باغتيال بطل مكافحة الإرهاب والتطرف وأعظم جنرال داعي للسلام في المنطقة في العقود الأخيرة، ولا شكّ أنّه قام بمقامرة كبيرة هذه المرة وليعلم أنّ الوعد الإلهي سيتحقّق لا محالة وأنّ الحق هو المنتصر و"الله غالب على أمره".

أيها السادة والسيدات

أحد أهم المشاكل الّتي تعاني منها منطقتنا هي الانطباعات والحسابات الخاطئة الّتي كانت ولاتزال تؤثر على المعادلات الإقليمية بشكل عميق، وأنا أكّدت مراراً وتكراراً أنّ هذا الخلل المعرفي وسوء الحسابات الناجمة عنه، يُعتبر من أهمّ جذور الأزمة الحالية للمنطقة.

وقد أثبتت الإدارة الأمريكية مرة أخرى أنّها تخطو خطوات خطيرة في زعزعة أمن العالم وفي نهاية المطاف بلدها من خلال سوء تقديرها وانطباعاتها الخاطئة للأوضاع الداخلية الإيرانية والإقليمية. ومن أبرز مظاهر سوء التقدير والانطباعات الخاطئة لواشنطن بالنسبة إلى إيران والمنطقة هو الحزن والكرب العميقين المهيمنين على شعوب المنطقة والعالم الإسلامية وخاصة التشييع الشعبي ومنقطع النظير للشعبين الإيراني والعراقي للجثامين المطهرة للفريق الشهيد سليماني ورفاقه الخالدين بما فيهم الشهيد أبو مهدي المهندس. أرجو الاهتمام بهذه الإحصائيات، في عهد رئيس الجمهورية الحالي للولايات المتحدة ارتفعت نفقات السياسة الخارجية للإدارة الإمريكية في منطقة غرب آسيا بمعدّل تريليون دولار ليبلغ 8 تريليونات دولار، وهذا العدد يُضاف إلى الدماء والأرواح البريئة الّتي سُفكت وفُقدت بفعل سوء الحسابات هذا.

أستبعد أن يخفى على أحد أنّ رؤساء الولايات المتحدة والرئيس الحالي ترامب، أحرقوا المنطقة والعالم وسفكوا الدماء من أجل تحقيق الأهداف الحمقاء لسياستهم الخارجية، ومع الأسف الشديد نحن نواجه اليوم أكبر كذب تاريخي وهو أنّ الولايات المتحدة تحاول تحقيق الخير والسلام والأمن في المنطقة والعالم من خلال قيامها بالمجازر وسفك الدماء.

إنّ منطقتنا تعاني من الحرب اللامتناهية والتطرف والعنف بسبب الاعتداءات اللامتناهية للإدارة الأمريكية والحروب الّتي نشبت خلال السنوات الأخيرة. وبسبب توجهات وسلوك الولايات المتحدة وأذيالها في المنطقة، قد تحوّلت الحرب الّتي تُعتبر استثناء في العلاقات الدولية إلى معيار وقاعدة في منطقتنا مع الأسف الشديد، وهذه حلقة مفرغة يجب كسرها على أيدي نشطاء المنطقة وجميع الملتزمين بالسلام والاستقرار.

ومع الأسف الشديد إنّ الخلل المعرفي وسوء الحسابات لا ينحصران في الولايات المتحدة، وهناك حلفاء ومتعاونون إقليميون لها يتبنّون نفس المسار الخاطئ والمأسوي بسبب الاعتماد المطلق على الأجانب وشراء الشرعية والأمن من الخارج، وتبنّي هذا المسار قد أدى إلى ظهور شروخ وحروب تُشهد اليوم أكثر من أي زمن مضى: من معركة القواعد إلى صراع الاستراتيجيات.  

والأمر الأكثر إثارة للأسف أن الشروخ والصراعات الراهنة في المنطقة، قد وفّرت المتنفّس لقوى الشرّ داخل المنطقة وخارجها وهذه القوى تستغلّ الظروف الموجودة وتوسّع تواجدها العسكري غير المشروع وغير القانوني من خلال اختلاق تهديدات مزورة وزعزعة الأمن المصطنعة وأهم تجليات هذا التواجد هي المعاناة اللامتناهية للشعوب المظلومة لدول المنطقة بما فيها أفغانستان، والعراق وسوريا واليمن وليبيا. والبعد الآخر لهذه السياسات التخريبية والمؤججة للحروب هو بيع مئات المليارات من الأسلحة المدمّرة للمنطقة حيث يساوي ربع إجمالي بيع الأسلحة في العالم.

أيها الحضور الكرام

إنّ الاضطرابات وحالات القصور الّتي نشهدها في المنطقة في الوقت الراهن، بما فيها مجاعة "الحوار الإقليمي" إلى انعدام التعاون المنظم والمؤسس، عبارة عن مظاهر واضحة لهذه الحقيقة وهي أنّ الوضع في المنطقة لا يسير نحو التحسّن، وقد يكون هذا التراكم والتعمّق للأزمات للبعض بمثابة وصول المنطقة إلى طريق مسدود نظرياً وعملياً.

وأنا كوزير الخارجية للجهورية الإسلامية الإيرانية أعتقد بالرغم من أنّ حلّ الأزمات الراهنة تبدو صعب المنال، إلّا أنّها "قريبة وفي متناول الأيدي".

وإذا أردنا تحويل "صعب المنال" إلى "متناول الأيدي" نحتاج إلى إرادة سياسية واستجماع القدرات الإقليمية، إضافة إلى تغيير باراديمي، وهذا التغيير يتطلّب الشجاعة إلى جانب سعي جماعي.

إن الباراديم الّذي حُمّل على المنطقة وتتمّ إعادة إنتاجها من قبل البعض واعين أم غير واعين، يتمثّل في هذا المبدأ أنّ الأسلحة الأمريكية والحرب تجلب الأمن. إلّا أنّني أعتقد أنّ العامل الّذي يجلب الأمن للرقعة الجغرافية لغرب آسيا والخليج الفارسي ويوفّر السلام المستدام فيها، هو تعزيز الترابط الإقليمي، والتفاهم المشترك والعلاقات المعتمدة على التعاون.

والحجر الأساس لأية تحرك ذي مغزى في المنطقة يوضع على أساس الفهم المتبادل والفهم المتبادل يتطلّب الحوار. وما تحتاج إليه المنطقة أكثر من أي زمن مضى، هو حوار إقليمي واسع وشامل، وهذا هو أساس المبادرة الّتي تابعت إيران إقرارها في الأمم المتحدة خلال سنوات طويلة وطرحها فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحت عنوان مبادرة هرمز للسلام.

تأخذ هذه المبادرة حقائق المنطقة بعين الاعتبار وتؤمن بأن تحقيق هيكلة جديدة وشاملة بعيدة عن لغة العدوان والتهديد الّتي أورثها الاستعمار لهذه المنطقة، ليس "ممكناً" فحسب، بل إنّه الأمر "الأكثر ضرورة" ويجب على الجميع بذل الجهود لتحقيق هذه الخطوة. وهذا هو المنطق واللغة الّذين يكرههما أصحاب القوة والمال الّذين يرون مصالحهم في الحروب والصراعات ويبذلون قصارى جهودهم لتصديهما ولو كان بارتكاب الاغتيالات.

أيها السادة والسيدات

إنّ المسار الّذي تتبنّاه الولايات المتحدة لنفسها وللمنطقة هو مسار زعزعة الأمن وتأجيج الحروب وسفك الدماء، لكنّ إيران بوصفها الصدى الواحد الصاعد من قلوب أبناء هذه الرقعة القديمة المتجذرة والباعثة على المباهاة، تدعو إلى السلام والاستقرار في المنطقة.

لا شكّ أنّ المصير الحتمي لاستخدام واشنطن العشوائي للأدوات الحربية والعقوبات والاغتيالات هو طرد الولايات المتحدة من منطقة غرب آسيا، وأنّ الإدارة الأمريكية سيتلقّى الردّ الحاسم والقطعي لوقاحتها في زمن وموقع يحمّلانها أقصى مدى من التوجّع والتألم، إلّا أنّني أودّ أن أبعث هذه الرسالة للمنطقة بوصفي وزير الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية أنّ طهران ستبقى ركيزة للسلام والأمن ومحوراً للتنمية في المنطقة، وأنّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية ترغب في الحلول وينبغي لكافة دول المنطقة أن تكون محور الحلول في الملفات الإقليمية المتعددة.

ومن الجليّ أنّ تبنّي هذا المسار يتطلّب تعاون كافة الدول المجاورة واتخاذ خطوات واضحة من قبل الجميع، حيث أنّه لا يمكن تحقيق الأمن بواسطة عرقلة شؤون الدول الجارة. نحن نؤمن بمبدأ الأمن للجميع.

نحن الآن في منطعف هام في تاريخ المنطقة والعالم حيث يتعيّن علينا التخلي عن باراديم الإقصاء واختلاق الأعداء المعتمد على أوهام شراء الأمن والتنمية من الخارج –والّذي لم تكن ثمرتها إلّا الحروب وزعزعة الأمن لمنطقتنا وللعالم- وتبنّي باراديم التقارب والتضافر الإقليمي – والّذي يُعتبر الطريقة الحقيقية الوحيدة للخروج من سلسلة الأزمات الراهنة- للانطلاق نحو مستقبل واعد ومزدهر بآفاق مشرقة للأجيال القادمة. وهكذا سيتحقّق أكبر أمنيات أخي الشهيد الفريق قاسم سليماني.

وشكراً لحسن استماعكم.

انتهى

تعليقك

You are replying to: .
5 + 5 =