عطشان.. عطشان.. شربة ماء من فضلك!

قم المقدسة/إرنا- أدخل المستشفى.. ينادي أحد الفراشين على "محمد" طالب العلوم الدينية: "تعال يا محمد.. امسح الممر رجاء". يذهب الشاب محمد فورا ويأخذ الماسحة من يد الفراش ويبدأ بمسح الممر.

وصلت متأخراً كالمعتاد.. كما كنت في أيام طفولتي أصل متأخرا إلى المدرسة.. هذه المرة وصلت متأخراً أيضا عشر دقائق، ولكن إلى المستشفى.
بالإضافة إلى الحراس، يقف شرطيان عند مدخل "مستشفى فرقاني"، احد المستشفيات المخصصة للمصابين بكورونا في مدينة قم المقدسة، ويراقبون الوضع بصرامة.. لا يسمح الحراس للجميع بالدخول.
***

أتوجه الى المصلى.. قبل البدء بالعمل، نقرأ زيارة عاشوراء لخمس دقائق كل يوم، ثم نتوجه إلى غرفة الملابس، ونرتدي بدلات واقية خاصة، وندخل الجناح. 
كان مسؤول مجموعة الشباب التعبويين من طلاب حوزات العلوم الدينية والجامعات المتطوعين "الحاج صادقي" جالسا في المصلى والشباب مجتمعين حوله.. أسلم على الجماعة بصوت خافت وأجلس بجانبهم.
يلمح الحاج صادقي بنبرته المؤثرة ولهجته الاصفهانية الى نقطة أخلاقية راقت لي: أيها الرفاق! تاجروا من خلال جهودكم التضحوية هذه مع الله فقط!  

***
نتوجه الى غرفة الملابس.. يوزع طالب الدكتوراه، "مهاجر"، البدلات الواقية بين الطلاب المتطوعين ويقول: اعرفوا قدر هذه الثياب!
فلن يكون لدينا غدا أي ملابس طبية.. قد أرسل لنا أحد الخيرين هذه المجموعة من البدلات الواقية.. علينا أن ندعوا له بالخير.. فلم يتبق لدينا ثياب طبية حتى للممرضين. باختصار.. غدا لن نحصل على هذه البدلات! 
ويتابع مهاجر: يا رفاق! ليس لدينا سراويل طبية اليوم.. أغسلوا سراويلكم جيدا بعد ختام فترة العمل رجاء! ثم يبدأ بتوزيع الكمامات ويؤكد: نظرا لأنه ليس لدينا كمامات  N 95 ارتدوا ثلاث كمامات فوق بعض.

***
عندما نصل الى محطة التمريض، نحييي الممرضات والممرضين بصوت عال ومفعم بالحيوية.
وهم يردون علينا كذلك.
نقوم بتطهير أيدينا ونرتدي قفازات اللاتكس ونبدأ بعيادة المرضى.
أبدأ أنا من الغرفة رقم (1). جميع المرضى الثلاثة لا زالوا نائمون. أنظر الى الساعة. تشير الى الثامنة وخمس دقائق. تناول اثنان منهم طعام الفطور. أرمى النفايات في حاوية المهملات وأمسح الطاولات.
وأذهب الى الغرفة رقم (2).
أحد المرضى بهذه الغرفة شاب موظف والثاني رجل دين ومدرس تاريخ.. اما الثالث فلا أعرفه.. رقد مؤخرا في المستشفى. من بين هؤلاء الثلاثة، هو فقط مستيقظ ويسبح.. أذهب اليه واصبح عليه وأبدأ بالحديث والمزاح معه. يبدو أنه من أفغانستان.
أسأله: هل أنت إيراني؟
- لا. أنا هندي.
- الهند؟ وما ذا تفعل في قم؟
- أدرس طلاب العلوم الدينية الأجانب في مدرسة حجتية.
وفجأة ينهال عليه السعال.. أسحب قناع الأوكسجين بسرعة وأضعه على أنفه وفمه. عندما يهدأ سعاله أسأله: هل تحتاج إلى شيء؟
-    لا شكرا
ثم أذهب الى الغرفة رقم (3)
أولئك أيضا لا زالوا نائمون.. 
أقرر أن أغادر الغرفة.. عندها يفتح عينيه أحد المرضى ويناديني.. "كأس ماء من فضلك! لقد جف فمي تماما!"
أصبح عليه وأذهب الى محطة التمريض وأملأ كأسا من براد الماء واقدمه له. يقول: لماذا ليس باردا؟
- الماء البارد ليس جيدا لك. إنه فاتر وجيد. اشرب.. هنيئا مريئا!
بعد ذلك، استيقظ مريض آخر وهو شيخ كبير..
-    تعال يا ولدي.. انتهى هذا المصل.. افتحه رجاء. أريد أن أذهب الى الحمام.
أذهب نحو غرفة الأدوية. أطرق الباب وأدخل.. عدد من الممرضات جالسات هناك.. .
-    تفضل!
-    أبحث عن رأس إبرة. لا أستطيع العثور عليها.
تنهض احدى الممرضات وتعطيني ما أريد وتسألني:
-    هل تعرف أنت؟
- نعم. تعلمت من السيد مسعودي.
السيد مسعودي هو رجل تعبوي في منتصف العمر.. مفعم بالحيوية.. لديه خبرة ميدانية في مساعدة الممرضين. طلبت منه قبل عدة أيام أن يعلمني كل ما يعرف. فعلمني الكثير.. قدر المستطاع، كفتح وغلق الأمصال.
-    رجعت الى الشيخ ونزعت المصل منه وساعدته ليذهب الى الحمام..
***
واما في الغرفة رقم (4)، ترقد ثلاث نساء..
واحدة منهن عجوز قروية لا تفهم اللغة الفارسية وتتكلم الآذرية فقط. ترفع يدها وتشير الي: تعال هنا!
بصعوبة أفهم ما تقول بلغتها من وراء قناع الأوكسجين: سُو ایسَّرَم! سُو ایسَّرَم! (ماء من فضلك!)
أذهب وأملأ كأسا من الماء وأعود اليها.. أرفع القناع عن وجهها وأقرب الكأس من شفتيها وأقول: ننه سو ایچ! (إشربي يا أماه!) تبدأ بشرب الماء ببطء وأنا أرفع الكأس شيئا فشيئا..

***
اجتازت الساعة العاشرة والنصف.. يرن هاتفي.. أذهب الى الممر وأتكئ على الجدار.. هي زوجتي.. أرفع الكمامة وأتنفس عميقا.. آه.. كم يؤلمني ظهري..
أجيب على الهاتف.. وبعد تبادل التحيات تسألني فورا: متى تعود الى البيت يا محمد جواد؟
انه سؤال محرج..
بدأت بالبكاء..
- لماذا تبكين؟
- ماذا أفعل إذن؟ اشتقت لك كثيرا.. اليوم لقد مر أسبوعان منذ تركتنا في همدان وذهبت الى المستشفى في قم.. أنا قلقة عليك.. أخاف أن تصاب أنت بكورونا أيضا.
أبدأ بالمزاح قائلا:
- لا تخافي يا عزيزتي! لن أموت قريبا! وفي أسوء الأحوال إذا أصبت بكورونا سيشفيني الله سبحانه وتعالى بالتأكيد!
يناديني أحد المرضى: كأس ماء من فضلك!
أودع زوجتي وأذهب لأجلب له الماء.

***
تناديني احدى الممرضات.. تحمل قائمة عن أسماء المرضى الذين يجب أن يأخذوا جرعات من الأنسولين.. تعال هنا رجاء يا سيد رستمي.. هل ممكن أن تساعدني؟

***
ومن ثم أذهب الى السيد محمود.. رجل في الثمانين من عمره.. لا يكاد يفهم كلامه أحد.. أنظر اليه.. يقول شيئا لا أفهمه.. أسأل المريض المجاور له في الغرفة: هل تفهم ماذا يقول؟
يرفع يده المرتعشة.. أمسك بيده وأقرب أذني من فمه وأحاول أن أفهم ما يقول.. 
خطر ببالي أنه ربما يكون عطشانا.. حسنا.. هل تريد ماء؟ نعم؟
وأتابع: اذا تريد ماء فاغمض عينيك.
أصبت حقا! فان المصابين بوباء كورونا يشعرون بالعطش باستمرار وبجفاف قاتل في الحلقوم.. أجلب له كأسا من الماء.. أرفع رأسه قليلا وأقرب الماء من شفتيه الذابلتين..

محمد جواد رستمي/ طالب فی العلوم الدينية بمدينة قم المقدسة 
**أ م د
 

تعليقك

You are replying to: .
6 + 11 =