٠٨‏/٠٦‏/٢٠٢٠ ١١:١٦ ص
رقم الصحفي: 2253
رمز الخبر: 83814165
٠ Persons
العنصرية.. قنبلة اميركا الموقوتة

بغداد/8 يونيو/حزيران/ارنا-ثمة حقائق كبيرة وخطيرة وصادمة تؤشر اليها تفاعلات الوقائع الاحداث الاخيرة في الولايات المتحدة الاميركية، وهي في جانب منها لاتنفصل عن وقائع واحداث تأريخية بعيدة وقريبة، وكذلك فأنها بصورة او بأخرى تشكل جزءا من المشهد العالمي العام بكل تداعياته وانسياقاته.

لاسباب وعوامل عديدة، لعل ابرزها واهمها ان الولايات المتحدة تعد نفسها القوة العالمية الاكبر في العالم عسكريا واقتصاديا، وهذه حقيقة قابلة للبحث  والنقاش، سواء اختلفنا او اتفقنا مع سياسة واشنطن وساستها، لكن المؤشرات على تصدع واهتزاز هذه الحقيقة راحت تتبلور وتتضح خلال الاعوام القلائل الماضية بوتيرة اسرع من اي وقت مضى.      

مقتل جورج فلويد؛ شرارة لاضرام نار الغضب في امريكا

 لاشك ان مقتل جورج فلويد ذلك الرجل الاربعيني الاميركي الاسود، الذي لقي حتفه على ايدي عناصر الشرطة في مدينة مينيابوليس في السادس والعشرين من شهر ايار-مايو الماضي، فتح الباب واسعا لكل الخيارات والاحتمالات، لاسيما وانه كان بمثابة شرارة لاضرام نار الغضب التي كانت على مايبدو مستعرة تحت الرماد.

   ولم يكن فلويد ذي الاصول الافريقية، اول شخص يقتل بهذه الطريقة، وعلى الارجح لن يكون الاخير، وكذلك فأن مظاهر العنف والسلب والنهب والصدامات الدموية التي رافقت الاحتجاجات على مقتل فلويد، لاتعد امرا غريبا في الشارع الاميركي، فالتأريخ الحديث يخبرنا عن سلسلة طويلة من مشاهد وصور مماثلة حفلت بها الدولة الاكبر والاقوى عالميا، والتي تعد نفسها ويعدها البعض بأنها مهد الديمقراطية ومنارة الدفاع عن حقوق الانسان.

   ولايمكن بأي حال من الاحوال النظر الى ما حصل على انه عبارة عن سلوك فردي خاطيء اقدم عليه ضابط شرطة بحق مواطن مدني اعزل كان يستنجد ويتوسل لانقاذه من الموت، مرددا عبارة "لااستطيع ان اتنفس"، التي باتت ايقونة يرددها الاف المتظاهرين في داخل الولايات المتحدة الاميركية وخارجها، بل ان ما حصل ينطوي في مجمله على ابعاد خطيرة ودلالات عميقة، فهو من جانب كشف البنية الهشة للمنظومة السياسية والامنية من خلال تناقض سلوكياتها وممارساتها مع الكثير من الشعارات البراقة، والتي عكستها المشاهد الوحشية المؤلمة لتعامل عناصر الشرطة والجيش مع المحتجين السلميين، وكشف ايضا عن البينة الاجتماعية الهشة من خلال عمليات السلب والنهب والحرق والتدمير والتخريب للممتلكات العامة والخاصة بصورة غير مسؤولة تنم عن حالة احتقان وغضب من جهة، وعدم انضباط واستخفاف بالقانون من جهة اخرى.

   الخلفية العرقية لجورج فلويد، وكذلك الخلفية الاجتماعية، وظروف ودوافع قتله، وما افرزته وما ستفرزه لاحقا من تدعيات خطيرة، يمكن ان تعيد الذاكرة الى محطتين واسمين، الاولى عند عام 1968، حينما تم اغتيال رائد الحقوق المدنية  الاميركي الاسود مارتن لوثر كينغ(1929-1968)، والمحطة الثانية في عام 2011، وتمثلت بأقدام المواطن التونسي محمد البوعزيزي بأحراق نفسه جراء الضغوطات الحياتية المعيشية الخانقة عليه، وكان ذلك ايذانا بأنطلاق ماسمي بـ"ثورات الربيع العربي" في تونس وعدد من البلدان العربية، والتي افضت الى اسقاط بعض الانظمة السياسية ذات النزعة الديكتاتورية في تونس ومصر والجزائر وليبيا واليمن.

   صحيح ان فلويد لم ينتحر كما فعل البوعزيزي، بيد ان المقدمات والنتائج ربما كانت وستكون متشابهة الى حد كبير، علما ان السبب المعلن لاقدام ضباط الشرطة على ان يجثم بركبته بقوة على رقبة فلويد، هو قيام الاخير بأستخدام عملة نقدية مزورة من فئة عشرين دولار اميركي لشراء بعض الحاجيات من احد المتاجر!.  

 وحتى الان، على مدى تسعة ايام بلياليها، شهدت مدن وازقة عشرات الولايات الاميركية اعمال عنف غير مسبوقة، حينما تحصل اقل منها بكثير في اي بلد اخر، ينبري ساسة البيت الابيض والمنظرين للديمقراطية وحقوق الانسان وحرية التعبير الى اطلاق التصريحات واصدار البيانات وكتابة التغريدات للتعبير عن استهجانهم مما يجري، ولنا في بعض احداث العراق خير شاهد ودليل، لاسيما التظاهرات الاحتجاجية  السليمة التي اندلعت في مطلع شهر تشرين الاول الماضي في العاصمة بغداد وعدة مدن عراقية اخرى، اذ رأينا كيف تعاطت معها واشنطن، وكيف حاولت التدخل سرا وعلنا لتوجيهها بالشكل الذي بخدم مصالحها وينسجم مع حساباتها ومخططاتها.

  ولم يخطأ من قال ان مافعله ضابط الشرطة الاميركي بحق المواطن الاسود، وما حصل من انتهاكات لحقوق الانسان بعد ذلك، قد لايشكل شيئا قبال ما اقترفه الجنود الاميركان في العراق من جرائم منذ وطأت اقدامهم ارض العراق في عام 2003، وسجن ابو غريب يعد احد ابرز الشواهد على جرائمهم ووحشيتهم.

وطبيعي انه حينما تحصل مثل تلك الاحداث والوقائع التي حصلت في اميركا مؤخرا، في بلد ما، لاسيما اذا كان من بلدان العالم الثالث، من الطبيعي ان ينظر اليها على انها انعكاس لمظاهر التخلف والجهل وغياب النظام والقانون، وعلى هذا الاساس، فأنها في حال حصلت في بلد متقدم مثل الولايات المتحدة الاميركية، فأنها ستكون انعكاسا للكثير من المظاهر الزائفة والسلوكيات الخاطئة، واكثر من ذلك سيرى فيها الكثيرون قنابل موقوتة قابلة للانفجار في اية لحظة، خصوصا وان النزعات العنصرية مازالت قائمة رغم مرور اكثر من نصف قرن على مقتل مارتن لوثر كينغ، ناهيك عن حالة التخبط الكبير الذي تعيشه اميركا بسبب سياسات رئيسها دونالد ترامب، وكابوس كورونا الذي اقض مضاجع الاميركان واحالهم حياتهم رعبا وخوفا وفزعا متواصلا بلا انقطاع، ولعل المفكر الاميركي نعوم تشومسكي كان دقيقا حين قال في حوار اجرته معه وكالة الصحافة الفرنسية قبل بضعة ايام، "ان الولايات المتحدة تتجه نحو الكارثة نتيجة افتقادها استراتيجية اتحادية في مواجهة فيروس كورونا، وعدم وجود ضمان صحي للجميع فيها فضلا عن عدم اقرارها بخطورة التغير المناخي، حيث يقود البيت الأبيض شخص معتل اجتماعيا، مصاب بجنون العظمة ، لا يكترث الا لسلطته والاستحقاقات الانتخابية"، وسواء كانت مظاهر العنف الاخيرة  نتيجة لاحداث سابقة، او سببا لاحداث لاحقة، فأنها راحت تشكل مع جائحة كورونا مشهدا سوداويا قاتما في الولايات المتحدة الاميركية، لان سياسات ترامب الخاطئة والانفعالية وطبيعة شخصيته التي اشار اليها تشومسكي، لابد ان تنعكس على كل الجوانب والمجالات.   

  فمظاهر الاحتقان والغضب الشعبي العارم، عكست في جانب كبير منها المستوى الخطير للمشاعر المكبوتة لدى فئات وشرائح اجتماعية واسعة حيال السياسات العنصرية المتبعة في البلد الذي يدعي ساسته ومثقفيه ومفكريه انه انموذج التحضر والديمقراطية واحترام حقوق الانسان، وعكست كذلك القدر الكبير من الظلم والتمييز والتفاوت الطبقي والاجتماعي بين ابناء المجتمع الاميركي، واكثر من ذلك يرى فيها الكثيرون انها نتيجة طبيعية ومتوقعة لسياسات خاطئة ومنهجيات منحرفة قائمة على الغرور والاستعلاء والعنجهية، التي عبر عنها الرئيس الحالي دونالد ترامب في العديد من خطبه وكلماته وتصريحاته وتغريداته.

   كلمات وتعابير مختلفة استخدمها البعض لوصف مايجري في اميركا حاليا، من قبيل (انقلب السحر على الساحر).. و(كما تدين تدان).. و (على نفسها جنت براقش).. ومن غير الواضح الى م ستؤول الامور في ظل تصاعد وتيرة الاحتجاجات واتساع مدياتها بصورة دراماتيكية سريعة، ترافقها مظاهر تخبط وارتباك واضحة لدى الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات التي طالتها نيران الاحتجاجات، ولكن الواضح انها ستفرز حقائق ومعطيات جديدة يمكن ان تعزز الحقائق والمعطيات التي افرزتها وستفرزها جائحة كورونا.

   بعبارة اخرى، هذه الاحتجاجات، راحت ترسم ملامح ومعالم عهد جديد تكون فيه مكانة اميركا العالمية قد اهتزت وتصدعت وتشضت، ان لم تفضي الى تفكك نظامها السياسي وتصدع وانهيار بناها وهياكلها السياسية وقدراتها الاقتصادية، وفي ذلك المزيد من الكلام خصوصا اذا كانت قوة عالمية مؤثرة وفاعلة مثل الصين حاضرة في الميدان.

بقلم/ عادل الجبوري

انتهى** ع ص**

تعليقك

You are replying to: .
5 + 13 =